على عوالم جديدة برمتها، وفرضت حصارها على القوى القديمة من خلف أو من قدام. وكان هذا بداية سيادة أوربا على العالم. على أن الخروج الاستعماري قد ارتبط بدول غرب أوربا البحرية الساحلية وحدها، بينما كانت بقيها الداخلية بعيدة عنه. كذلك لم تشارك الدول البحرية الساحلية الضئيلة أو الصغرى. فرغم بعض محاولات ثانوية للغاية لأمثال الدنمرك والنرويج و براندنبرج، فإنها تخلفت عن السباق تماما. وباختصار فقد ارتبط الاستعار الحديث أشد الارتباط بالمحيط ونداء البحر والموقع الساحلى.
ويلاحظ في هذا الخروج البحرى أن اتجاه كل من البرتغال وإسبانيا إلى أمريكا الجنوبية، وكل من فرنسا وبريطانيا إلى أمريكا الشمالية، إنما هو توجيه طبيعي بتسق إلى حد كبير مع المنطق الجغرافي وخطوط العرض وإيحاءات الموقع، وكذلك مع تشابه البيئة الطبيعية بين الموطن وللهجر. ومن هنا انتهى العالم الجديد إلى عالمين: لاتيني في الجنوب وأنجلو- سكسوني في الشمال، بتناظران بصورة عامة مع ترتيب الأوطان الأم. وكما تحتل اسبانيا الرقعة الكبرى من أمريكا اللاتينية وتكمل البرتغال بدور ثانوي بالاضافة إلى شظايا هولندية وفرنسية وبريطانية، تحتل بريطانيا مركز الصدارة في أمريكا السكسونية وتأتي فرنسا في مرتبة ثانوية مع تذييل إسباني، ولما كان خروج أيبريا البحري قد سبق خروج شمال غرب أوربا بنحو قرن، فإن تاريخ أمريكا الجنوبية يسبق هو الآخر تاريخ أمريكا الشمالية بنحو هذا الدي (1) .
القومية والاستعمار ثانيا، كانت الوحدة القومية شرطا أساسيا سابقا مسبقا للخروج الاستعماري، إذ لم يكن من الممكن القفز إلى العالم الخارجي قبل ترتيب البيت داخليا. فكان الخروج نتيجة للوحدة وعلامة عليها، وترتيب توقيته بعكس الترتيب الزمني لتحقيق تلك الوحدة. ومع الوحدة القومية أني استعمار الكشوف، ومع الاثنين أتي الانقلاب التجاري، ومع الجميع أتت - أخيرا - البورجوازية الليبرالية. فقد انصبت مكاسب المكانتليه والتجارة الاستعمارية في العواصم والمدن الكبرى والمواني لتخلق ترکيبا اجتماعيا جديدا أزاغ فلول الاقطاع نهائيا وأحل محله مجتمع التجار والمهنيين، ما و برجز، مجتمع المدن وغلب الفكر الليبرالي والأوليجارکي على الحكم المطلق.