الصفحة 140 من 474

القرن التاسع عشر. وهي قد ضاعت أساسا على يد بريطانيا. بل أكثر من هذا يمكن أن نقرر أن فرنسا خرجت من تلك الموجة الأولى بإمبراطورية متواضعة - بقايا إمبراطورية - أقل اتساعا وغنى مما خرجت به أي من البرتغال أو إسبانيا أو هولندا - عدا بريطانيا بالطبع. ولعل فرنسا وحدها هي التي تنفرد بهذه الحقيقة الغريبة في تاريخ الاستعمار. ومعنى هذا أيضا أن إمبراطورية فرنسا، كما كانت في عصر ما قبل التحرير المعاصر، ترجع أصولها في معظمها إلى موجة الاستعمار الثانية في القرن التاسع عشر.

الاستعمار البريطاني) 1 الحقيقة الكبرى والضابط الحاسم في تاريخ بريطانيا السياسي والاستعاري هي أنها بصدفة جيولوجية جزيرة قارية: من القارة وليست فيها. فمرة قد تفرض عليها جزويتها التخلف، فإذا بها مرة أخرى ترعي نموها، ومرة ثالثة تضمن تقدمها. تفسير ذلك أن بريطانيا مرت بثلاث مراحل واضحة في تطورها: المرحلة الاستعمارية، فالقارية، فالجزرية. الاستعمارية حين خضعت لغزوات وموجات القارة أيام الأنجلز والسكسون، والقارية حين حكمت أجزاء من فرنسا في العصور الوسطى، و الجزرية حين انعزلت عن القارة قبيل عصر الكشوف (2) .

المرحلة الجزرية ولكن جزرية بريطانيا ليست وحدها كل شيء، إذ لا يقل عن ذلك أهمية أنها جزيرة كبيرة فسيحة، يعني أنها تقدم قاعدة أرضية عريضة متعددة الموارد يمكن أن تقيم دولة كبيرة. ولولا هذا لما زادت عن مجرد تابع أو ذيل لقوة مقابلة على القارة، أشبه شيء بصقلية مثلا ولكن دون تاريخها الفع. ولكن كانت بريطانيا لا تزيد مساحة عن نصف فرنسا، فإن السهل الإنجليزي - نواتها النووية سياسيا واقتصاديا - لا يقل كثيرا عن مساحة السهل الفرنسي، ومع هذا فإن قوة الطرد على اليابس والجذب إلى البحر أقوى بلا شك منها في حالة فرنسا. ولهذا فبريطانيا هي البيئة البحرية الكاملة التي حملت قوة بشرية كبيرة أولا، وخلفت أمة ملاحة من الدرجة الأولى بعد ذلك، ومنحتها في نفس الوقت عنصر

فايفيلد و بيرمي، ج 2، ص 108 - 190

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت