الصفحة 132 من 474

ولا شك أن فرنسا خلال العصور الحديثة وحتى الانقلاب الصناعي كانت أوسع وأرسخ وأقوى قاعدة أرضية في غرب أوربا: فهى تكاد تمثل أقصى رقعة للدولة الوطنية الموحدة قبل عصر السكك الحديدية (1) . وهي ضعف بريطانيا مساحة، وكانت إلى ما قبل الانفلاب ضعفها سكانا. ثم هي أغنى القوى بالموارد الطبيعية وأقربها إلى التوازن الحرف والاكتفاء الذاتي. وقد كان من الممكن لها أن تبني أعظم قوة بحرفي ذلك الوقت، بل بنتها بالفعل في بعض مراحل القرنين السابع والثامن عشر، وكان من الممكن لها أن تكون إمبراطورية استعمارية كبرى، ونجحت في ذلك فعلا.

إلا أن توزيع اهتمامها بين البحر والقارة، وحروبها المتصلة في القارة، كان يمتص مواردها وطاقاتها بإزمان، ويسلب أكثر مشاريعها البحرية كثيرا من إمكانياتها. وفضلا عن هذا فإن فرنسا، بغناها الزراعي الداخلى واقترابها التقليدي من الكفاية الذاتية، لم تكن تشعر بقوة طرد طبيعي على اليابس أو قوة جذب على البحر. كذلك فإنها - کاسبانيا - دولة بحرين مما يعوق وحدة أسطولها البحري (2) . وفي هذا كله تكرر فرنسا دور إسبانيا وتوسعاتها إلى حد بعيد وإن يكن على نطاق أكبر. والحقيقة أنها ورثت إسبانيا استراتيجيا مثلا ورثت هولندا البرتغال، وكما كان على إسبانيا إن تواجه البرتغال كان على فرنسا أن تتصدى لقوة هولندا الطافرة.

في أوربا وقد بدأت فرنسا بانتزاع الأراضي المنخفضة (بلجيكا) من إسبانيا المتداعية في منتصف القرن السابع عشر. وبدأت حروبها ضد هولندا مستفيدة من تحالف إنجلترا معها ضدها في بعض الحالات حتى تداعت قوة هولندا على يدها في نهاية القرن. ولكن فرنسا رغم ما تراكم لديها من قوة بحرية ضخمة لم تكن تسيطر على التجارة المريحة إلا إلى حد ضئيل، وظلت - بحريا - قوة عسكرية أكثر منها تجارية. ولذلك فقد كانت إنجلترا هي التي ورثت دور هولندا التجارى رغم أن فرنسا هي التي حطمت قوتها عسكريا - تماما كما كانت إسبانيا هي التي حطمت البرتغال ولكن التي ورثتها هي هولندا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت