الصفحة 134 من 474

ولذلك أيضا كانت هذه القوة البحرية كاستهلاك لا يقابله إنتاج عبئا على مواردها. وقد كان أمام فرنسا إمكانية بناء إمبراطورية تجارية في البحر المتوسط والشرق العربي تزري بهولندا وتعجز إنجلترا، إلا أن ترددها بين الاهتمامات القارية البرية والتوسع البحرى بدد مشاريع كولبير وضيع نصيحة الفيلسوف ليبنتز المعروفة في هذا الصدد

ورغم أن قوة بريطانيا البحرية حربيا وتجاريا كانت تطفر في القرن الثامن عشر باستفحال، ورغم أنه كان على فرنسا أن تتصدى لها بحيث تحول هذا القرن إلى صراع ثنالي خطير بينهما، فإن من الممكن أن نعد القرن الثامن عشر قرن فرنسا كأكبر قوة في أوربا، فقد كانت تفوق بريطانيا على القارة برا، ولا تقل عنها بحرا. وقد جمعت فرنسا قواها مع إسبانيا خلال القرن عدة مرات في حروب مطولة ضد بريطانيا بسبب توسع تجارة هذه توسيعا خطيرا، ولكن ظلت صراعات فرنسا القارية خاصة مع المسا تستنزف طاقاتها.

وفي أواخر القرن كان الفارق في القوة بين فرنسا وانجلترا يزداد ضيقا، إلى أن كانت انتفاضة فرنسا نابليون بعد الثورة وفيها وصلت السيادة الفرنسية في أوربا إلى قمتها - ولكن أيضا إلى نهايتها. فقد انتهى لمعان القوة الفرنسية وبريقها الشديد كالشهب إلى احتراق أخير، لتعطى فرنسا مكان الصدارة البريطانيا.

تفصيل ذلك أن نابليون حاول أولا أن يؤسس إمبراطورية في المشرق في مصر والشام تكون مواقع الخطى إلى الهند كي يضرب بريطانيا فيها، أو لتكون مصر لؤلؤة الإمبراطورية الفرنسية في مقابل الهند لؤلؤة الإمبراطورية البريطانية كما قبل. وفي مرحلة تالية حاول أن يغزو بريطانيا في جزيرتها، لكن قصور فرنسا البحري التقليدي وصل إلى قمته في هذه المحاولة التي انتهت بالطرف الأغر. وكانت المرحلة الأخيرة هي: الحصار القاري البريطانيا الحرمانها من كل تجارة أوربا. وفي هذا السبيل أخضع أوريا جميعها عدا السويد والنطاق العثماني، كما انتهى به إلى حملة الروسية القائلة , ولعل هذه كانت أعظم إمبراطورية أوربية شهدتها العصور الحديثة إن لم يكن التاريخ جميعا. لكن تلك كانت نقطة الضعف النهائية: فقد اتسعت الجبهة إلى مدى بغير عملي، فجاءت النهاية نتيجة للاستنزاف الطلق القوة وموارد فرنسا (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت