الصفحة 130 من 474

تواجه بريطانيا بدرجة أو بأخرى، أما مع فرنسا فلم يكن ظل لندية ما. ومع ذلك فقد كان صراع هولندا مع الإنجليز في البحر مريرا بل وحشيا، واستاتوا في وجههم لأنهم هم مباشرة الطامعون في تجارة المحيط، حياة هولندا أو موتها.

ولا يبدأ القرن الثامن عشر إلا وكانت هولندا قد فقدت معظم تجارتها وخسرت كل قوتها البحرية، وخرجت تماما من دائرة صراع القوة، وأصبحت بمثابة برتغال الشمال. حتى مستعمراتها أخذت تتقلص فيها بعد، كما في أعقاب الحروب النابليونية حين انتزعت بريطانيا منها مستعمرة الكاب، هذا عدا أنها هي نفسها سقطت لفرنسا نابليون. وكما انقضت هولندا من قبل على المستعمرات البرتغالية في الشرق الأقصى: انقضت إنجلترا على مستعمرات هولندا هناك، ومن الغريب أن هولندا بعد ذلك مالت - تماما كالبرتغال - إلى أن تصبح حليفا تقليديا بل وعالة على الحماية البريطانية سواء في القارة أو في البحر أو في المستعمرات. وباختصار فقد ورثت بريطانيا بالذات دور هولندا مثلما ورثت فرنسا دور إسبانيا.

الاستعمار الفرنسي مع نهاية القرن الخامس عشر كانت فرنسا قد استكملت وحدتها القومية حول باريس. غير أنها في وصولها وتدعيمها لحدودها الشرقية البرية غير الواضحة دخلت في صراع بري مع القوى المجاورة استغرقها مدي النصف الأول من القرن السادس عشر، كما أنفقت نصفه الآخر في حروب الاصلاح الديني. كذلك كان عليها أن تقاوم أطاع إسبانيا في السيطرة عليها طوال ذلك القرن. فلم تكن لذلك كله مستعدة للخروج إلى العالم الخارجي سواء في القارة أو عبر البحار إلا مع مطلع القرن السابع عشر.

ولكن إذا كانت قوة إسبانيا قد تدهورت حينذاك، فقد كانت هولندا في طريقها إلى السيطرة البحرية. ولهذا أصبحت السياسة الفرنسية منذ ذلك الوقت موزعة بين هدفين محوريين: التوسع القاري شرقا وصولا إلى ر الحدود الطبيعية les limites naturelles ، عقدة فرنسا منذ البداية و إلى اليوم، وبناء قوة بحرية عظمى للتوسع عبر البحار. وقد قام على تلك السياسة كل من ريشيليو وكولبير في القرن السابع عشر. وسيصبح هذان الهدفان والمزق العضوي بينهما ملمحا أساسيا مزمنا في كل كيان فرنسا المقبل (1) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت