المكسيك وبيرو، في حين أن جزر الهند الغربية وشرق القارة لم تكن بها ثروة إلا الزراعة المدارية التي تحتاج إلى أيد عاملة كثيرة وأبعاديات واسعة ولهذا تأخر استثمارها فترة ما. وفي المرتفعات وجد الإسبان مجالا لهدف أساسي من أهدافهم وهو الغزو، فحطموا ممالك الأزتك والإنكا وغيرها من الدول الهندية، وفي هذا برز دور الغزاة الفاتحين Conquistadores ک ورتيز و بيزارو.
وأخيرا فإن الاستعمار الإسباني يختلف عن البرتغالي في أن الأخير دخل مناطق مأهولة بالسكان كثيفة ومدارية، فلم يكن ثمة مجال الاستعمار سکتي، ولم يكن للبرتغال على أية حال القوة البشرية لمثله. أما الاستعمار الإسباني فقد حدث في مناطق مخلخلة قليلة السكان يصلح كثير منها بحكم ارتفاعه لتوطن البيض. ولهذا، ولوفرة القوة البشرية في إسبانيا نسبيا، اتخذ نمطا سكنيا استيطانيا سيشتد فيا بعد ويتحول إلى خلط جنسي لا مثيل له في أي قارة أخرى، والحقيقة أن الهجرة الإسبانية ظلت ذكرية أساسا لفترة طويلة - دليل آخر على طابعها العسكري - مما فتح الباب أمام التزاوج من الوطنيين، ثم فيما بعد مع الزنوج المجلوبين.
ويمكننا أن نلخص الموقف كله في أنه إذا كانت أركان الاستعمار البرتغالي هي التبشير والتجارة والاستعمار الاستراتيجي الساحلى، فإن أركان الاستعمار الإسباني هي التبشير والمعادن النفيسة والغزو والاستعمار الاستيطاني أو السكني، وبهذا يبدو الاستعمار البرتغالي، كما ألمحنا عابرين من قبل، أقرب في طبيعته ومحاله إلى الاستعمار الإغريق القديم بمركبه التجاري - البحرى - النقطي، بينما يقترب الإسباني كثيرا من الاستعمار الروماني القديم العسكري - الأرضي - القاري.
وإذا كانت إسبانيا والبرتغال قد تقاسمتا السيادة والقوة العالمية في القرن السادس عشر، فقد كانت اليد العليا لإسبانيا بكل تأكيد بحكم جرمها وضخامتها، بل لقد رأينا كيف ضمت البرتغال في نهاية القرن وحطمت قوتها. وقد احتكرت إسبانيا التجارة طويلا وحرمت القوى الأخرى من التجارة في إمبراطوريتها Spanish Main كذلك. إلا أن إسبانيا لم تكن تملك شيئا في العالم القديم سوى الفلبين.
ولكن إذا لم يكن لإسبانيا إمبراطورية في الشرق أو العالم القديم كالبرتغال، فقد عوضت عنها بإمبراطورية كبرى في أوربا نفسها: فكان لها أملاك واسعة في إيطاليا، وآلت إليها الأراضي المنخفضة (هولندا وبلجيكا) بالوراثة، وحاولت أن تعيد