الصفحة 110 من 474

قيمتها لها أنها موطئ قدم ونقط مراحل على الطريق، ولهذا لم يزد استعارها فيها عن نقط وأشرطة ساحلية ومواقع حربية أهمها في ساحل غرب أفريقيا (ساحل الذهب) وشرق أفريقيا. وفي المراحل التالية أصبحت المواقع البرتغالية على ساحل غرب أفريقيا محطات الحشد وتصدير الرقيق. وفي الهند لم يتعد البرتغال نقطة قاليقوط على جنوب الساحل الغربي في البداية، ولا رقعة جوا على شماله في النهاية، ولعل مما ساعد على حصرهم على الشقة الساحلية حائط جبال الغات المنيع (1) .

ومن ناحية أخرى لم يكن لدي البرتغال، بعددهم المحدود، القوة البشرية الكافية للاستعار السكني الاستيطاني حتى لو أرادت. بل إن أمر هذه القوة البشرية ليثير الدهشة

حقا، ففي عصرها البطولي هذا لم تكن البرتغال تزيد على المليون نسمة سكانا (2) فالغرابة إذن ليست في سقوط الاستعمار البرتغالي في النهاية، وإنما هي في الدرجة الأولى في قيامه أصلا. ولهذا وبالأحرى كان الاستعمار السكني الاستيطاني سؤالا غير وارد على الاطلاق، وظل الاستعمار البرتغالي في جزر الهند الشرقية و استعمار البهار، أساسا وبامتياز. ومن ثم يمكن أن نلخص محاور الاستعمار البرتغالى في ثلاثية: الكثلكة: التجارة: الغزو.

تحلل الإمبراطورية وسيلاحظ أن البرتغال - التي هي أول بناة الإمبراطوريات - قد حققت استعارها في عقود قليلة بسرعة غير عادية، وملکت مناطق أضعاف أضعاف مساحتها هي وتترامى في إطار جغرافي لا يقل عن نصف محيط الأرض! .. ومع ذلك، ورغم أن القرن السادس عشر كان بلا نزاع قرن سيطرة وتسيد البرتغال وإسبانيا، فان الإمبراطورية البرتغالية لم تعمر في الواقع أكثر من جيل بالكاد. ولم تلبث بعد ذلك أن أخذت في التقلص والانكماش. فما أن ظهرت نوى بحرية جديدة حتى انهارت البرتغال بلا مقاومة تقريبا (3) . ففي الوطن ضمت إسبانيا إليها البرتغال بمستعمراتها في نهاية القرن السادس عشر، ورغم أن البرتغال استعادت كيانها بعد ذلك، فقد كانت تلك هي الضربة القاضية، وإذا كان لها مغزى نهو أن موقع البرتغال الممتاز وتجارتها القائدة لم تجد شيئا أمام ضخامة إسبانيا: لقد كان لابد للموضع الضخم أن يتغلب على الموقع مها كان ممتازا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت