الصفحة 94 من 222

-الدين وعن بلاد المسلمين الذين لا يفرقهم وطن ولا لون جنس ولا قوم، كل ما هنالك أن الحروب الصليبية المبتدئة منذ عهد السلاجقة الأتراك كانت فيها أوربا مهاجمة والسلاجقة مدافعون، وانقلب الحال في أيدي الأتراك العثمانيين فأصبحوا مهاجمين، وظلت أوربا تعمل لهم ألف حساب لأمم يجمعون العالم الإسلامي تحت رايتهم، ويصدون الخطر الاستعماري الأوربي الفادح.

ليست إذن العلاقة مشابهة بين دولة مستعمرة (بفتح الميم) وأخرى مستعمرة (بكسرها) ولعل من أقوى الأدلة على ذلك أنه بمجرد انفصال الدولة العربية بعد نجاح الثورة بقيادة الشريف حسين، حتى انقلب (النجاح) وبالا على الشعوب، لأن الثورة ثورة العرب التي كسرت الحماية العثمانية - أسهمت في كسر شوكة القوة العثمانية التي كانت في وجه الأطماع الاستعمارية التي تدفقت بعدها كالسيول الجارفة تقضي على الأخضر واليابس أو كالوحوش الكاسرة التي ما إن رأت السور الحديدي الفاصل بينها وبين ضحاياها ينكسر حتى التهمتها في ضراوة وقسوة!! >

والنقارن بين الأحداث التي لحقتنا تباعا، وبين ما فعله العثمانيون مع غير العرب من دول أوربا، ولنسأل أنفسنا هل يعد ما فعلوه استعمارا؟ .. يقول الأستاذ عبد الرحمن عزام: ا(لما وصل العثمانيون إلى شرق أوربا وكلها سجون أبدية يتوالد فيها الفلاحون اللعبودية فكسروا أغلال السجون وأقاموا مكانا صرح الحرية الفردية، فهم قضوا

على نظام الإقطاع والأرستقراطية ليحل محله نظام المواطن الحر والرعاية المتساوية الحقوق، فوصل في دولتهم الرقيق الشركسي والصقلي وغيره إلى أكبر مقام في الدولة

كما وصل النابه من عامة الناس حتى المجهول الأصل إلى مقام الصدارة العظمي والقيادة العليا، وتعلمت أوربا الشرقية على يد محرريها سيادة القانون على الأحساب والأنساب والطرائف والملل والنحل )) .1

إن هذه القيم تنفي عن الدولة العثمانية تهمة الاستعمار تماما، فما كان دور الغرب معنا؟ .. لعلنا نصدم القارئ- کما صدمنا بحقيقة تقيمه لنا، أنها حقا صدمة

(1) نفسه (ص 89) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت