كلها- حينما تنازلت بمحض إرادتها وهي الخارجة منتصرة من الحرب العالمية الأولى، تنازلت عن إزمير لتظهر أتاتورك أمام العالم الإسلامي بأنه (المنتصر) و (الغازي) ثم تفرض شروطها عليه لتتخلص -وبصفة نهائية كما يشهد التاريخ المعاصر - من المقاومة الفعالة المؤثرة للاستعمار الغربي في ظل راية (الجهاد) الذي كان يعلنه خليفة المسلمين كلما تعرض أي بلد من بلادهم لخطر الغزو والاستعمار.
وكان لها ما أرادت .. !! ورأي الشيخ مصطفي صبري أن واجبه يقتضي الوقوف في وجه تزييف الحقائق وإظهار ما وراءها من أسرار.
ولتقريب فهم الدور الضخم الذي قام به الشيخ، تحمل موقفه في هذه الدوائر الثلاث:>
1 -إظهار حقيقة انتصار (الغازي) لأنه في الحقيقة هزيمة للمسلمين وضياع للخلافة الإسلامية.
2 -فصل الدين عن السياسة لينفرد كل منهما باختصاصه وشؤونه كما زعم أتاتورك) 1 ولكنه في الحقيقة إبعاد الإسلام عن الحكم وتحويل النظام الحاكم في ترکيا إلى نظام لا ديني، بل معاد للدين وللمتدينين.
3-إن التقدم والتطور إلى الإمام وراء أوروبا هو في حقيقته تراجع وتقليد ومهانة.
وكان الشيخ يصرخ بأعلى صوته، وهكذا نشعر عند قراءة صفحات کتابه، كان يصرخ منفعلا أشد الانفعال، واصفا بالفكر الصريح الكماليين قاطبة ومن سار على لهجهم من الكتاب العصريين الذين يسحرون الناس بأقلامهم وهم يبطنون الإلحاد ويخشون إعلانه.
وهنا تتضح مع علمه وفقهه وإخلاصه، صفة أخرى خلقية يتميز بها العلماء
(1) يقول الشيخ مصطفي صبري: إن الراغبين في تجريد الحكومة من الدين يسمونه فصل
الدين عن السياسة تخفيفا لخطره وسوء تأثيره في سمع الأمة المتدينة، فهم يتوسلون إلى القضاء على دين الحكومة بأن يعبروا عن هذا القضاء بالفصل بين الدين والسياسة، ثم يتوسلون بالقضاء على دين الحكومة إلى القضاء على دين الأمة] (ص 291، 292) .