والمسامحة إلى درجة المعاضده سرا وعلانية. ومضى على ذلك سنته الأخيرتان المنتهيتان بمغادرته الآستانة، وفيها وقع ما وقع من مساعي وزارة توفيق باشا على مرأى من الناس النصرة مصطفي کمال على السلطان ومع أنه الذي ولاه الوزارة وإبقاه فيها إلى أن لم يبق لنفسه إمكان البقاء في الآستانة بعد ما شهد عاقبة الشهيد علي کمال بك الفجيعة. فصفوة الكلام أن السلطان أراد أن يكيد الإنجليز مصطفي کمال فتحول الحال فكاده الإنجليز مع مصطفي کمال، وهو لم يزل مقتنعا بأنه يخضع لطاعته بعد زوال الملمة الأجنبية وأما مسامحته الكماليين -سامحه الله - فلو لم يشهد ما عليه شيء غير وزارة توفيق باشا لكان فيها كفاية وزيادة، وقد أقامه فيها سنتين كما قلنا بل أكثر، وفي تلك المدة كانت هيئة تلك الوزارة يسلون أنفسهم من الحكومة التي هي وديعة الله ووديعة الخليفة في أعناقهم كما تسل الشعرة من العجين ويسلموها بالتدرج إلى الكماليين الذين هم أعداء الله وأعداء الخليفة، والذي اشتغل بوظيفة المديرية العامة على البوليس في زمن وزارة توفيق باشا وهو أميرلاي اسعد بك جعله الكماليون غداة استيلائهم على الآستانة والية لها مثوبة لنصرته فيها لهم على ضد حكومة السلطان عبد الحميد إلى أيدي بغاة السلانيك. ولا يكاد يتفق تكرر التاريخ بمثل هذا وبمساعدة من وقع عليه الإنفاق، لله در من عکس قضية (إذ جاء القضاء عمي البصر) . هذا ما نال الكماليين من السلطان وحيد الدين في أواخر أمرهم وکم استفادوا من جاهه والانتساب إلى جنابه في أوائل مضتهم. ومن عادة الله تعالى في الكماليين والاتحاديين أن يكون أول من ينتقم منه بكم من أحسن إليهن، كما أن المرحوم ناظم باشا الذي اغتالوه في صفة الباب العالي كان هو الذي سمح لهم بشفاعته وحمايته عند وزارة کامل باشا، وكذلك كمال بك الشهيد الكبير الممزق بأيديهم كل ممزق كان ممن سبق وزارة فريد باشا إلى الاعتدال في شأن الاتحاديين، وكان مصرا في عدم الرضى بسياسة القهر والقتل في مقابل جناياهم حتى قتلوه بالخشب والأحجار وجازوه جزاء سنمار. وإذا كان لكل غادر لواء يوم القيامة فهم أحقاء بأن يكونوا أعظم الغادرين لواء في ذلك اليوم. هذا، وإذا أمعنت النظر فيما حدث ببلادنا من الأذناب المترئسة والذئاب المفترسة، ثم رأيت مواقع الشرف الممهدة لها عند المصريين فلا عليك أن تعد من خانه من معجزات أحمد قوله:
أكلما اغتال عبد السوء سيده أو خانه فله في مصر تمهيد وعلى الكلام في السلطان وحيد الدين أذكر مثالا لتحريف الصحف الكمالية الحقائق