الصفحة 210 من 222

ظن أهما أبانا عن مصير الخلافة فالتبست عليهما الحكومة بالخلافة، والذي أوقعهما في هذا الغلط الصريح عدم انفكاك الحكومة عن الخلافة وعدم وجود وظائف للخلافة غير وظائف الحكومة، فأنطقهما الحق على وجه يكشف عن باطلهما).1

فإن قيل: إن الخلافة أخرجت قدما في الدولة العثمانية عن أصلها لأن خلافتهما صورية قائمة بالتغلب لا حقيقية، وأن أكثرهم غير متحلين بشرائطها، دعوا شرط القريشية المفقودة في جميعهم، فلا يستعظم ما افتعله الكماليون فيها من التغيير، بل أن الحق يقال كما قال الشاعر الترکي):2

أول نه أيدي نه أولدي بيلمم؟ قلت: كلا، إن الفرق عظيم وحقيق بالاستعظام جدا بين أن تعد الخلافة مما يتنافس فيه المتنافسون، حتى يدعي من لم يستطيع شرائطها من ذوي السلطة أنه أهل لها، ويدعي القيام بوظائفها من يكون مقصرا فيها. فهذا مع كونه مبينا على الادعاء غير الموافق لنفس الأمر، بل عبارة عن تغرير الأمة يدل على أن مكان الخلافة بالنظر إلى العقيدة الراسخة في نفوس المغرر والمغررين في غاية الرفعة والشرف من حيث اختصاصها بالرئاسة الدينية والنيابية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حكومته، فكيف تقاس هذه الحالة العقلية باعتقاد كون الخلافة مما ينبغي أن تعرض عنه الحكومة وتبعدها عن ساحتها، ولا علة لهذا، الإعراض والتعبير غير كوها متضمنة لتلك الرئاسة والنيابة. هذا والعياذ بالله تعالى ثم العياذ به من العقيدة الثانية ومن قياسها بالعقيدة الأولى

(1) واعلم أيها القارئ أن الذين يعارضوننا باستبداد الخلفاء وتحكمهم على الأمة ويحذرنا منهم

ويبذرون الكلام في ذلك البحث مثل خليل خلقي وإلياس سامي هم الذين يسارعون في الانضمام إلى جانب كل مستبد في أوانه، وإن أكثروا في مذمة الاستبداد الذي مضى وقته فما هم بأعداء الاستبداد وأن أنذروا الناس به بل أوليائه الخاصة وخدامه المتدربة. فإذا فتشت عنهم رأيتهم في زمن الاتحاديين مع أنور وطلعت وجمال، واليوم مع مصطفي کمال، من حيث إنه المستبد الغالب على محمد الوحيد وعلى عبد المجيد، وقبل إعلان الدستور أحسبك تحدهم بين أنصار عبد الحميد ومداح طريقته. فرحم الله المسلمين ووقاهم شر كل منافق

ذلق اللسان يدور مع الزمان. (م. ص) .

(2) الشيخ غالب المولوي في معراجيته. ومعناه"ماذا كان قبل فما صار بعده؟". (م. ص) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت