الصفحة 124 من 222

فقال: إن هذه الدولة دارا للفتوى تفصل في المسائل المعروضة عليها بموجب القوانين الشرعية فأحيلوا الأمر على رأي تلك الدار ونحن الأروام راضون عما ستصدره من القرار.

من هذا نرى أن الباشا الرومي احتكم إلى دار الفتوى وهو موقف أنها حق وأن الوزارة بسلطانها لا تقدر على استمالتها إلى خلاف الحق).1

والدارس لتاريخ الخلافة العثمانية لا يسعه إلا الإقرار بأن التسامح الدين وحرية التدين كانت أحد الظواهر اللافتة للأنظار وتعكس حرص السلاطين على تنفيذ الإسلام بروحه ونصوصه .. قال المؤرخان لافيس ورامبو:[إن محمدا فاتح القسطنطينية كان كأكثر سلاطين الترك والمغول بعيدا عن كل اضطهاد دين، وكانت حكومة الترك لا تعارض أحدا في دينه وكان الأتراك لا يمسون امتيازات الكنيسة الأرثوذكسية) .. ثم نقل هذان المؤرخان من القرآن هاتين الآيتين الكريمتين:

وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) البقرة: 190) ثم: لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة:256].2

وحدث مرة أن السلطان سليمان الأول أراد توحيد عناصر السلطنة وإجبار المسيحيين على إحدى خطتين: الإسلام أو القتل، فقام في وجهه شيخ الإسلام (ذبنيللي علي أفندي) وقال له: (لا يحق لك هذا والمسيحيون واليهود مني خضعوا ودفعوا الجزية فقد عصموا منك دماءهم وأموالهم ) ) .3

ولا يظن أن هناك مثيلا لهذه المعاملة الكريمة الراقية التي تعكس عدالة الإسلام حتى ولو أدى ذلك إلى حدوث قلاقل وفتن، وقد فسر أحد مشاهير أساتيذ الحقوق والعلوم السياسية (المسيو لويس دنول) علل أحد أعظم عوامل انحلال الدولة العثمانية بالحرية المذهبية والمدرسية للأمم المسيحية).4

(1) نفسه (ج 4 ص 34) . >

(2) شكيب أرسلان: حاضر العالم الإسلامي (ج 3 ص 325) .

(3) نفسه (ص 328) .

(4) نفسه (ص 327) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت