ورُوي نحوُ هذا عن عَبِيدة السَّلْماني وقتادة ومحمد بن كعب القُرَظي، وحكاه الواحدي عن المفسرين، وحكاه أبو حيان عن السُّديّ كما تقدم [1] .
وهذا يَرُدُّ قولَ الألبانيِّ: إنَّ الآية لا دلالةَ فيها على أنَّ وَجْهَ المرأة عورةٌ يجب سَتْرُها.
وإذا تعارَضَ قولُ ابن عباس رضي الله عنهما ومن ذُكِرَ معه من أكابر السَّلَف في تفسير الآية الكريمة. وقَوْلُ الألبانيِّ! فقولُ الألبانيِّ مُطَّرَحٌ مَرْدُودٌ بلا ريب، لأن الصحابة والتابعين أعلمُ بتفسير القرآن ممن جاء بعدهم، ولاسيما حَبْرُ الأُمَّة وترجمانُ القرآن ابنُ عباس رضي الله عنهما، الذي دَعَا له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُفَقِّهَهُ الله في الدين ويُعلِّمَه التأويل، فكان كذلك ببركةِ هذه الدعوةِ المستجابة.
وقد قال شيخ الإسلام أبو العباس ابنُ تيمية رحمه الله تعالى: من فَسَّرَ القرآن والحديثَ وتأوَّلَه على غيرِ التفسير المعروف عن الصحابة والتابعين، فهو مُفْتَرٍ على الله، مُلْحِدٌ في آيات الله، مُحَرِّفٌ للكَلِم عن مَوَاضِعه! انتهى.
وكلامُ الألبانيِّ في تفسير الآية مِن سُورة الأحزاب، وما أبداه من الاحتمال فيها، لم يَسبقه إليه أحَدٌ من الصحابة والتابعين، وقد خالَفَ ما جاء عن حَبْر الأمَّةِ وغيرِه من أكابر التابعين في تفسير الآية الكريمة، فهو إذًا من الإلحادِ في آياتِ الله تعالى! وتحريفِ الكلم عن مَوَاضِعه! وعلى هذا فيَلْزَمُ اطِّراحُه ورَدُّهُ على قائله!!
الوجه الثاني: أن الآية من سُورة النور ليس فيها دليل على جواز كشفِ المرأة عن وجهها عند الرجال الأجانب، كما تَوَهَّمَهُ الألبانيُّ!!
وغايَةُ ما فيها النَّهْيُ للنساءِ عن إبداء زينتهن إلا ما ظَهَر منها، وقد صَحَّ عن ابن مسعود رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: الثِّيابُ.
وبهذا قال الحسن وابنُ سِيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم. وقال ابنُ عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} . قال: وَجْهَها وكَفَّيْهَا والخاتم.
ورُوي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جُبَير وأبي الشعثاء والضحّاك وإبراهيم النخعي وغيِرهم نحوُ ذلك.
قال ابن كثير: وهذا يَحتمِلُ أن يكون تفسيرًا للزينة التي نُهِينَ عن إبدائها، ويَحتَمِلُ أنَّ ابن عباس ومن تابَعَه أرادوا تفسيرَ ما ظَهَرَ منها بالوجه والكفين، وهذا هو المشهورُ عند الجمهور.
(1) في ص 64 - 65.