الصفحة 80 من 104

ولو كان الأمر على ما ذَهب إليه الألبانيُّ من جواز كشفِ الوجهِ والكفيَّن! لكان السؤالُ عن نظر الفَجْأة لغوًا لا معنى له ولا فائدةَ في ذكره. كما تقدم تقريره وشرحه عند ذكر حديث جرير رضي الله عنه [1] .

الموضع التاسع: ذكر الألباني في الصفحة 18: قولَ الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} .

قال في الصفحة 20: هذا، ولا دلالةَ في الآية على أن وجه المرأة عورة يجب عليها ستره، بل غايَةُ ما فيها الأمْرُ بإدناء الجلباب عليها، وهذا كما تَرى أمْرٌ مطلَق، فيُحتَمَلُ أن يكون الإدناءُ على الزينة ومواضِعها التي لا يجوز لها إظهارُها، حسبما صَرَّحَتْ به الآية الأولى، وحينئذ تنتفي الدلالة المذكورة، ويُحتَمَلُ أن يكون أعمَّ من ذلك، فعليه يَشمَلُ الوَجْه، ونحنُ نَرى أنَّ القول الأوَّل أشبَهُ بالصواب، لأمور:

الأول: أن القرآن يُفسِّرُ بعضُه بعضًا، وقد تبيَّنَ من آيةِ النور المتقدمة، أنَّ الوجه لا يَجبُ سَتْرُه، فوَجبَ تقييدُ الإدناء هنا بما عدا الوَجْه، توفيقًا بين الآيتين.

الآخَر: أنَّ السنة تُبيِّنُ القرآن فتُخصِّصُ عمومَه وتُقيِّدُ مطلقَه، وقد نَصَّتْ النصوصُ الكثيرةُ منها الدالَّةُ على أن الوجه لا يَجِبُ سَتُرُه، فوَجبَ تفسيرُ هذه الآية على ضوئِها وتقييدِها بها. فثبَتَ أنَّ الوجه ليس بعورة يجب ستره.

وهو مذَهبُ أكثر العلماء كما قال ابن رشد في البداية، ومنهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ورواية عن أحمد كما في المجموع، لكن ينبغي تقييدُ هذا بما إذا لم يكن على الوَجْهِ وكذا الكفِّينِ شيءٌ من الزينة، لعموم قوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} . وإلا وَجبَ سَتْرُ ذلك، لاسيما في هذا العصر الذي تَفنَّنَ فيه النساء بتزيين وجوهِهن وأيديهن بأنواع من الزينة والأصْبِغة، مما لا يَشُكُّ مسلم بل عاقل ذو غَيرة في تحريمه. انتهى كلام الألباني.

والجوابُ عن هذا من وجوه:

الوجه الأول: ما تقدم عن ابن عباس رضي الله عنهما [2] ، في تفسير قوله تعالى: {يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ} . قال: أمَرَ الله نساءَ المؤمنين، إذا خَرَجْنَ من بيوتهن في حاجة أن يُغَطِّين وجوهَهُنَّ من فوقِ رءوسِهن بالجلابيب ويُبدِين عَيْنًا واحدة.

(1) انظر ذلك في 92.

(2) في ص 63 - 64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت