فجوابهُ أن يقال: هذه مُجازفَةٌ لا تَخفى على من له أدنى عِلْم ومعرفة!! وأين النصُّ في الآية على إباحةِ كشفِ المرأة لوجهها عند الرجال الأجانب؟! نعوذ بالله من القول على الله تعالى بغير علم!
وقد ذكرتُ في الكلام على هذه الآية أنها تدل على الأمر بتغطية الوجه، وذكرتُ هناك قولَ ابنِ مسعود رضي الله عنه وغيرِه من المفسرين في ذلك، وما رُوي عن عائشة رضي الله عنها، من الثناءِ على نساءِ المهاجرين لما شَقَقْنَ مُروطَهن واختمرن بها، تصديقًا وإيمانًا بقول الله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} . وذكرتُ قولَ الفراء وابن حجر العسقلاني أنَّ الاختمار هو الاستتارُ وتغطيةُ الوجه، وكذلك ما رُوي عن عائشة رضي الله عنها، من الثناء على نساء الأنصار لمَّا شقَقْنَ مُرُوطهَنَّ واعتَجَرْن بها حين نزلَتْ الآيةُ من سُورة النور، وذكرتُ تفسيرَ الاعتجار وما قاله ابنْ الأثير في ذلك، فليراجَعْ ما تقدَّم [1] ، ففيه رَدٌّ لما ادَّعاه ابنُ حزم والألبانيُّ! من النص الذي لا وجود له!!
ولو كان لهذا النصِّ المزعومِ وجودٌ لما كان عمَلُ الصحابياتِ وأتباعِهن على خلافِه، كما تقدم ذلك عن عائشة وأمِّ سلمة وأسماءَ بنت أبي بكر وفاطمة بنت المنذر وحفصة بنت سِيرين [2] . وأيضًا فإن إجماعَ العلماء وعمَلَ المسلمين على استتار النساء عن نظر الرجال الأجانب، يَدُلُّ على أنه لا وجودَ للنص الذي ادَّعاه ابنُ حزم والألبانيُّ!!
وقد تقدم [3] ما ذكره ابن المنذر وابن رسلان، من الإجماع على استتار النساء عن نظر الرجال الأجانب، وما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى، أنَّ سنة المؤمنين في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه أنَّ الحُّرَّة تحتجب والأَمَةَ تَبرُز، وكذلك قولُ ابن حجر العسقلاني: إنَّ العمَل استمَرَّ على جوازِ خروج النساء إلى المساجد والأسواق والأسفار مُنتَقِباتٍ لئلا يَراهن الرجال، وما نَقَلَه أيضًا عن الغزالي أنه قال: لم تَزل النساءُ يَخرجُن منتَقِبات.
ولو كان هناك نَصٌّ على إباحةِ كشفِ الوجوه، لما كان الإجماعُ وعمَلُ المسلمين على خِلافه! والله أعلم.
(1) انظر ذلك كله في ص 53 - 60.
(2) انظر عمل عائشة في ص 83، وعمل أم سلمة في ص 84، وعمل أسماء بنت أبي بكر في ص 103، وعمل فاطمة بنت المنذر في ص 104، وعمل حفصة بنت سيرين في ص 62 و 153.
(3) في ص 105 - 106.