ورَوى عبدالله بن الإمام أحمد في زوائد المسند، بإسناد صحيح، عن علي رضي الله عنه قال: أما تَغارُون أن يَخْرُجَ نساؤكم - وفي رواية: ألا تَسْتَحْيُون أو تَغارُون؟! - فإنه بلَغَني أنَّ نساءكم يَخرُجن في الأسواق يُزاحِمْنَ العُلُوج [1] !
وإنما أنكر علي رضي الله عنه على النساء مزاحمةَ العُلوج، سَدًَّا للذريعة إلى الفتنة.
وقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده، وأبو نعيم في الحلية، من حديث نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما بَنَى المسجد جَعَل بابًا للنساء، وقال: «لا يَلِجَنَّ من هذا الباب من الرجال أحد» . قال نافع: فما رأيتُ ابنَ عمر رضي الله عنه داخلًا من ذلك الباب ولا خارجًا منه.
وروى أبو داود في سننه، والبخاري في التاريخ الكبير، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن عمر رضي الله عنه قال: «لا تَدخلوا المسجدَ من باب النساء» . واللفظ للبخاري.
وقال الشافعي في مسنده: أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، أخبرتني هند بنت الحارث بن عبدالله بن أبي ربيعة، عن أم سَلَمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سَلَّم من صلاته، قام النساءُ حينَ يَقضِي تسليمَه، ومكَثَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في مكانه يسيرًا.
قال ابن شهاب: فنرى مُكثَه ذلك - والله أعلم - لكي يَنفُذَ النساءُ قبل أن يُدركهن من انصرف من القوم.
ورواه الإمام أحمد في مسنده، والبخاري في صحيحه وأهل السنن إلا الترمذي، وفي بعض ألفاظ البخاري: قالت: كان يُسلِّمُ فينصرف النساء، فيَدخُلْنَ بُيوتَهن من قبلِ أن ينصرف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي لفظ آخر له: أن أم سَلَمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبرتها أن النساء في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كنَّ إذا سَلَّمن من المكتوبة، قُمنَ وثبَتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن صلَّى من الرجال ما شاء الله، فإذا قام رسول الله قام الرجال. وبهذا اللفظ أخرجه النسائي.
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وفي الحديث مراعاةُ الإمام أحوال المأمومين، والاحتياطُ في اجتناب مواضع التهم، وكراهةُ مخالطة الرجال للنساء في الطرقات فضلًا عن البيوت. ومقتضى التعليل المذكور أن المأمومين إذا كانوا رجالًا فقط: أن لا يُستحَبَّ هذا المُكث. انتهى.
وإذا عُلِمَ شِدَّةُ حرصه - صلى الله عليه وسلم - على مباعدة النساء من مخالطة الرجال الأجانب، وشِدَّةُ حرصه على سَدّ الذرائع الموصِلة إلى الافتتان بهن، فكيف يُظَنُّ به أنه كان يُقِرُّهُنَّ على الوضوء مع الرجال
(1) العلوج جمع علج، وهو الرجل من كفار العجم وغيرهم.