قلت: وفي تعبير أسماء رضي الله عنها بصيغة الجمع في قولها: كنا نُغطِّي وجوهنا من الرجال، دليلٌ على أن عَمَل النساءِ في زمن الصحابة رضي الله عنهم، كان على تغطيةِ الوجوه من الرجال الأجانب، والله أعلم.
الحديث الخامس: عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نُخمِّرُ وجوهَنا ونحن مُحرِمات، ونحن مع أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. رواه مالك في موطَّئه.
الحديث السادس: عن عائشة رضي الله عنها في قِصَّة الإفْك، قالت: وكان صفوان بن المُعَطِّل السُّلَمي ثم الذَّكْوَاني، قد عَرَّس مِن وراءِ الجيش [1] ، فأدلج [2] فأصبح عند منزلي، فرأى سَوادَ إنسان نائم، فأتاني فعَرَفني حين رآني، وكان قد رآني قبلَ الحِجاب، فاستيقظت باسترجاعِه حين عَرَفني فخَمَّرتُ وَجْهي بِجلبابي. الحديث رواه الإمام أحمد والشيخان.
الحديث السابع: عن صَفِيَّة بنت شَيْبة، قالت: حدثتنا أمُّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: قلتُ: يا رسول الله يَرجِعُ الناسُ بنُسُكَيْنِ وأرجِعُ بنُسُكٍ واحد؟! فأمَرَ أخي عبدَالرحمن فأَعمَرني من التنعيم، وأردَفني خلفه على البعير في ليلةٍ حارة، فجعلتُ أحسُرُ عن خِماري، فتناوَلَني بشيءٍ في يده، فقلت: هل تَرى من أحد؟ رواه أبو داود الطيالسي في مسنده.
وهذه الآثار تدل على أن احتجاب النساء من الرجال الأجانب، في حالِ الإحرامِ وغيرِه كان هو المعروفَ المعمولَ به عند نساء الصحابة فمن بعدهن.
وقد تقدم ما ذكره شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى، من أنَّ سُنَّة المؤمنين في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه، أنَّ الحُرَّة تحتجب والأمةَ تَبرُز [3] .
وقال: وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أَمَةً مختمِرةً ضَربَها، وقال: أتتشَبَّهيِن بالحرائِر أيْ لَكَاعِ [4] !
وذكر البغوي في تفسيره عن أنس رضي الله عنه قال: مرَّتْ بعمر بن الخطاب رضي الله عنه جارية متقنِّعة، فعلاها بالدِّرَّة وقال: يا لَكاعِ أتتشبَّهينَ بالحرائر؟! ألِقي القِناع.
(1) عرَّس المسافر إذا نزل ليستريح، ثم يرتحل.
(2) أي سار من أول الليل.
(3) في ص 68.
(4) أي يا حمقاء يا لئيمة.