وبِرُّ الوالدين يتمثَّل بصِلَتِهما، وطاعتِهما، والوفاءِ لهما، وحُسْنِ صحبتهما، وخفضِ الجناح لهما، والتوسُّعِ في الإحسان إليهما، والبذلِ في سبيل رضاهما.
وهذا لا يتحقّق إلا بالرِّفق، وقد أشار القرآن إلى هذا المعنى بأبلغ العبارات حين عبَّر بخفض الجناح تذلّلًا لهما، والرحمة بهما، والإحسان إليهما، والمعروف في صحبتهما، وعدم نهرهما والتَّأفف منهما.
ولما كان الرِّفق بالوالدين هو السبيلَ الموصل إلى تحقيق برِّهما الواجب شرعًا، كان حكمه الوجوب أيضًا؛ إذ للوسائل حكم الغايات.
والرِّفق بالأبوين واجب وإن كانا كافرين أو عاصيين:
عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: كُنَّا في غَزَاةٍ .... الحديث، وفيه: فسمع بذلك عبدُ الله بنُ أُبَيٍّ فقال: فعلوها، أما والله لَئِنْ رجَعْنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأَذَلَّ. فبلغَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فقام عمر فقال: يا رسولَ الله دَعْني أضْرِبْ عُنُقَ هذا المنافق، فقالَ النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: (( دَعْه لا يَتحدَّثُ النَّاسُ أنَّ محمَّدًا يقتل أصحابَه ) )أخرجه البخاري ومسلم [1] .
زاد ابن إسحاق: (( وبلغ عبدَ الله بنَ عبدِ الله بنِ أُبَيّ ما كان من أمرِ أبيه، فأتى النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فقال: بلغني أنك تريد قتلَ أبي فيما بلغك عنه، فإن كنتَ فاعلًا فمُرْني به فأنا أحملُ إليكَ رأسَه، فقال: بل تَرْفُقُ به، وتُحْسِنُ صُحْبتَه ) ) [2] .
قلت: فإذا كان ابنُ سَلول رأسُ المنافقين، ومن آذى اللهَ ورسولَه والمؤمنين، جاء الأمر بالتَّرفُّق به، فما عسانا فاعلين بآبائنا وأمهاتنا المؤمنين والمؤمنات؟.
(1) البخاري: كتاب التفسير - باب (5) حديث (4905) ، ومسلم: كتاب البر والصلة - باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا 4: 1998 حديث 63 (2584) .
(2) نقلًا عن ابن حجر في (( فتح الباري ) )8: 518.