مئة وخمسة أبيات، فقد جمعنا واعتمدنا ما اتفقوا عليه وهو مئة وخمسة أبيات، على خلاف رأي القرشي الذي جعلها في مئة وسبعة عشر بيتًا.
إنّ معلقة طرفة بن العبد تعدّ بحق"لوحة فنية" [1] إبداعية تتكون من مجموعة من اللوحات الإبداعية الأخرى الصغرى، التي تضافرت معًا، وأكسبت المعلقة سمة اللوحة الإبداعية الكليّة، وهي واحدة كما سماها الجمحي. وقد وفّر طرفة لكلّ واحدة منها مقوماتها الأساسية، وتقنياتها الفنية، وصنعتها الشّعرية. وقد أقام طرفة بن العبد"مقومات الربط والتنسيق بين تلك الوحدات، وفاعلية الاجتدال بينها على النحو الذي يسوّغ اعتبارها لوحة كليّة" [2] .
قد تبدو المعلقة للوهلة الأولى متعددة الموضوعات، وهو ما خُيّل لكثير من محللي المعلقة وناقديها، وتتراءى المعلقة لنا في لوحات [3] ثلاث تتعاضد -كما سلف منا القول- معًا لتشكيل لوحة إبداعية كليّة. تتمثل اللّوحة الأولى في الوقوف على الأطلال وبكاء الحبيب، وتصوير ارتحال المحبوبة في الهودج، ثم ينتقل إلى اللوحة الثانية التي تتمثل في الناقة حيث استغرقت هذه اللوحة منه ثمانية وعشرين بيتًا، ثم يدلف بعدها إلى اللوحة الثالثة التي ضمنها الحديثَ عن نفسه وقومه ومذهبه وفلسفته في الحياة والموت. وهي -أي المعلقة - تشكل ملفًا شعريًا محملًا بالمواقف التأملية في فلسفة الحياة والموت، وزاخرًا بالمشاعر الانفعالية المتوجهة، ويضم هذا الملف جملة من البنى ذات المستويات المختلفة، ومجموعًا من الوحدات النصية، التي لها خاصية التآلف والانسجام، وفيها اتساع المعاني والدلالات والرموز [4] ، وهي تتوزع على النحو التالي:
-اللوحة الأولى: عشرة أبيات.
(1) ملحس: 14.
(2) رزق: 258.
(3) يجري بين الباحثين تقسيم المعلقات أو القصائد الطويلة إلى مقاصد، وبعضهم إلى فصول، كما يسميها حازم القرطاجني، ومنهم من يسميها مقاطع أو أقسام، لكننا ارتأينا أن نسميها لوحات كما يذهب أستاذنا وشيخنا الدكتور عبد الحميد الميعيني لأنها أكثر تعبيرًا عمّا صوره الشاعر وأنشد فيه.
(4) رؤية في دراسة قصيدة المسيب بن علس، عبد الحميد المعيني: 146.