الصفحة 10 من 40

عنقها في طوله بذنب سفينة تمخر في نهر دجلة، جامعًا بين صور الصحراء وصور البحر والحضر، منتقلًا إلى خديها الذي شبهه بقرطاس الرجب الشامي، ومشافرها مثل جلود البقر المدبوغة في رقتها ولينها، كما شبه عينيها بالمرآتين الصافيتين النقيتين المصقولتين اللتين تلمعان مثل ماء القلت، ودلف بعد ذلك لاستكمال ما بقي من لوحته الإبداعية إلى الصورة العلوية من جسد الناقة فيصف أذنيها بعد أن صور العينين والخدين والشفتين والعنق، فيؤكد على دقة وظيفتهما في الحياة، وصدقهما فيما يسمعان، كأنهما صنعتا بآلة، فعيون الناقة هي التي يرى بها، وآذانها هي التي يسمع بها، وأرجلها هي التي يسير عليها، أما قلبها فكثير النبض كالصخرة في مكانه، وأنفها لين عتيق، بهذا يكون الشاعر قد رسم لوحته وشكل الصور المثالية للناقة التي يطوف الأرض فيها، بوصفه فارسًا مغوارًا لا يرتضي بأقل من هذه الناقة ركوبًا. فالشاعر بحق تجول بنا في لوحته ما بين الرسم والنحت والتصوير والتمثيل.

أُمِرَّتْ يَدَاها فَتْلَ شَزْرٍ وأُجْنِحَتْ ... لها عَضُداها في سَقيفٍ مُسَنَّدِ

جَنُوحٌ دِفَاقٌ عَنْدَلٌ ثمَّ أُفْرِعَتْ ... لها كتِفَاها في مُعالي مُصَعَّدِ

كأَنَّ عُلوبَ النَّسْعِ في دَأَيَاتِها ... مَوَارِدُ من خَلْقاءَ في ظهرِ قَرْدَدِ

تَلاقَى وَأَحْيانًا تَبينُ كأنّها ... بَنائِقُ غَرِّ في قَميصٍ مُقَدَّدِ

وَأَتْلَغُ نَهَّاضٌ صَعَّدَتْ بِهِ ... كسُكّانِ بُوِصيِّ بِدْجِلَةَ مُصْعِدِ

وَجُمْجُمَةٌ مِثْلُ الْعَلاةِ كأنّما ... وَعى الُمْلَتقى منها إِلى حرْفِ مِبْرَدِ

وَخَد كقِرْطاسِ الشّآمي ومِشْفَرٌ ... كسِبْتِ الْيَماني قَدُّهُ لم يُجَرَّدِ

وَعَيْنَانِ كالَماوِيَتَيْنِ اسْتَكَنّتا ... بكهفَي حجَاجَي صَخْرَةٍ قلْتِ مَوْرِدِ

طَحورانِ عُوّارَ الْقَذَى فَتَراهُما ... كمِكْحَلَتَيْ مذعورَةٍ أُمِّ فَرْقَدِ

وَصَادِفَتَا سَمْعِ التَّوَجُّسِ للسُّرى ... لِهَجْسٍ خَفِيٍّ أَوْ لِصَوْتٍ مُنَدِّدِ

مُوَلّلتانِ تَعْرِف الْعِتْقَ فيهِما ... كسامِعَتَيْ شاةٍ بحَوْمَلَ مُفْرَدِ

وَأرْوَعُ نَبَّاضٌ أَحدُّ مُلَمْلمٌ ... كمِرْداةِ صَخْرٍ في صَفِيحٍ مُصَمَّدِ

وَأَعْلَمُ مَخْرُوتٌ من الأَنفِ مارِنٌ ... عَتيقٌ متى تَرْجُمْ به الأَرْضَ تَزْددِ

وَإِنْ شئتُ لم تُرْقِلْ وَإِنْ شئتُ أَرْقَلَتْ ... مَخَافَةَ مَلْوِيِّ مِنَ الْقَدِّ مُحْصَد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت