الصفحة 13 من 20

قال ابن كثير في تفسيره 1/ 16: الشيطان لا يكفه عن الإنسان إلا الله، ولهذا أمر تعالى بمصانعة شيطان الإنس ومداراته بإسداء الجميل إليه؛ ليرده طبعه عما هو فيه من الأذى، وأمر بالاستعاذة به من شيطان الجن؛ لأنه لا يقبل رشوة ولا يؤثر فيه جميل؛ لأنه شرير بالطبع ولا يكفه عنك إلا الذي خلقه، قال تعالى: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ 34} وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ {35} وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ {36} .

ويكثر تسلط الشياطين على النساء لضعفهن، وكلما كان العبد قويًا كلما هرب منه الشيطان، ولذا أسلم قرين النبي صلى الله عليه وسلم، وقبض أبو هريرة رضي الله عنه على الشيطان، وتغلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه على شيطانه، روى الترمذي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فروا من عمر"، بل ثبت أن عمر رضي الله عنه تقاتل مع الشيطان، فروى الدارمي رحمه الله في سننه 2/ 540 بسند صحيح لغيره عن عبد الله بن مسعود قال: لقي رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم رجلا من الجن فصارعه، فصرعه الإنسي، فقال له الإنسي: إني لأراك ضئيلا شخيتًا (أي دقيقًا مهزولًا) ، كأن ذُريعتك ذريعتي كلب، فكذاك أنتم معشر الجن أم أنت من بينهم كذلك، قال: لا والله، إني منهم لضليع؛ (أي قوي، والضليع هو جيد الأضلاع) ، ولكن عاودني الثانية، فإن صرعتني علمتك شيئا ينفعك، قال: نعم، قال: تقرأ (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ، قال: نعم، قال: فإنك لا تقرؤها في بيت إلا خرج منه الشيطان له خبج (أي ريح) كخبج الحمار ثم لا يدخله حتى يصبح، وعند ابن أبي شيبة 12/ 34 والبيهقي في دلائل النبوة 7/ 23 والطبراني في الكبير 9/ 83 زيادة: فقيل لعبد الله: أهو عمر؟ قال: ومن عسى أن يكون إلا عمر؟

لذا ينبغي على العبد أن يقوِّي نفسه لحرب عدوه وأن يأخذ له أهبته، وذلك بالعلم والاستقامة وكثرة الذكر وبالثبات على التوحيد واتباع السنة، قال بعض السلف: وأقوى القيد الذي يوثق به الأسرى: الجهل، وأوسطه في القوة الهوى، وأضعفه الغفلة، وما دام درع الإيمان على المؤمن؛ فإن نبل العدو لا يقع في مقتل، ذكره ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس/38، ثم ساق بسنده عن الأعمش قال: حدثنا رجل كان يكلم الجن، قالوا: ليس علينا أشد ممن يتبع السنة، وأما أصحاب الأهواء فإنا نلعب بهم لعبًا، اهـ. وفي هذا يقول الله: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (الحجر: 42) .

فيتعامل الجن مع عصاة بني آدم بعلاقات مختلفة، منها:

1.علاقة التنزل: قال سبحانه: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ} (الشعراء: 221 - 222) ، فينزل الشيطان على الراقي يزعم أنه يساعده على الرقية والعلاج، وما يزال به حتى يفتنه عن دينه، أو ينزل على العابد الجاهل ويزعم أنه مرسل له من عند الله تعظيمًا لولايته، أو ينزل على بعض المظلومين أو الفقراء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت