الصفحة 4 من 20

أولًا: أصل خلق الجن:

خلق الجن من نار، وبالتحديد {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ} (الرحمن: 15) ، قال القرطبي في تفسيره 17/ 161: والمارج اللهب، وعن ابن عباس قال: خلق الله الجان من خالص النار، وعنه أيضًا: من لسانها الذي يكون في طرفها إذا التهبت، ومن هنا تظهر الصفة الهوائية في الجن؛ وكأنهم من لفح النار، وندرك أن الله مكنهم من خاصية النفوذ في الأشياء والجريان من ابن آدم مجرى الدم، وأصل اشتقاق المارج من مرج إذا اضطرب ولم يستقر؛ وهذه طبيعة الجن، فغالبهم على الطيش والظلم، وقيل: من مرج إذا اختلط؛ وكأنهم خلقوا من نوعين من النار خلطًا، ذكره صاحب التبيان في غريب القرآن 1/ 401، والله أعلم.

وكان خلق الله للجن قبل خلقه سبحانه للإنس، قال سبحانه في آية الحجر {وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ} (الحجر: 27) ، قال البيضاوي في تفسيره 3/ 368: من نار السموم أي من نار الحر الشديد النافذ في المسام، والجان هنا هو أبو الجن عند جمهور المفسرين، وقال عطاء والحسن وقتادة ومقاتل: هو إبليس، وفي الحديث المشهور الذي أخرجه مسلم عن عائشة، عن النبي صلي الله عليه وسلم قال:"خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم".

ولا يعني ذلك أنهم باقون على أصل عنصرهم الذي خلقوا منه من نار، بل خلقهم كخلق البشر خلقنا من تراب، ولسنا الآن ترابًا، دل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه قال الرسول صلى الله عليه وسلم:"إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي .."الحديث، ولو كان على عنصره الذي خلق منه لما احتاج لأن يأتي بشهاب النار، وكذلك أيضًا ما رواه النسائي بإسناد صحيح على شرط البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي فأتاه الشيطان، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فصرعه، فخنقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"حتى وجدت برد لسانه على يدي"، ففيه دليل على أن الجن الآن ليسوا نارًا، إذ لو كانوا كذلك لم يجد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بردًا ولا لعابًا.

وقد خلق الله منهم الرجال {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنّ} (الجن: من الآية 6) ، ومنهم الإناث فقد جاء في رواية حديث أبي هريرة في قصة الشيطان الذي يسرق الطعام- وتأتينا-:"إذا قلتهن-أي آية الكرسي- لا يقربك ذكر ولا أنثى من الجن"، فتح الباري 4/ 488، والرجل منهم إذا أذَّى الإنس يسمى غول، والأنثى تسمى سُعلى، والغول حقيقةٌ موجودة ظهرت لبعض الصحابة وسرقت طعامهم؛ كأبي هريرة وأبي أيوب وأبي بن كعب ومعاذ وأبي أسيد وأبي موسى، لكن لا ما يروى من خرافاتها التي تخوف سفهاء العقول في إضلال الناس وإهلاكهم فليست إلا هوس جاهلي، قال صلى الله عليه وسلم"لا عدوى ولا طيرة ولا غُول"، رواه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت