النوع الثالث من الصيغ: أن يعلق الطلاق أو العتاق أو النذر بشرط، فيقول: إن كان كذا فعلي الطلاق أو الحج، أو فعبيدي أحرار، ونحو ذلك، فهذا ينظر إلى مقصوده، فإن كان مقصوده أن يحلف بذلك، ليس غرضه وقوعَ هذه الأمور - كمن ليس غرضه وقوع الطلاق إذا وقع الشرط - فحكمه حكم الحالف، وهو من باب اليمين، وإن كان مقصوده وقوع هذه الأمور - كمن غرضه وقوع الطلاق عند وقوع الشرط - فهذا يقع به الطلاق ... إلى أن قال: فالأصل في هذا أن ينظر في مراد المتكلم ومقصوده؛ فإن كان غرضه أن تقع هذه الأمور، وقعت منجَزة، أو معلقة إذا قصد وقوعها عند وقوع الشرط، وإن كان مقصوده أن يحلف بها وهو يكره وقوعها إذا حنث، وإن وقع الشرط، فهذا حالف بها، لا موقع لها، فيكون قوله من باب اليمين، لا من باب التطليق والنذر"."
ويؤخذ مما تقدم أن ما كان من الطلاق ونحوه مما ذكر معه بصيغة التنجيز، فإنه يقع به الطلاق والعتاق والنذر بإجماع المسلمين، وليس فيه كفارة، وليس هو من باب اليمين، وأما ما كان من الطلاق ونحوه بصيغة القسم، أو كان معلَّقًا على شرط، والحالف بذلك أو الذي علقه بشرط إنما يقصد به اليمين، ولا يقصد به إيقاع هذه الأمور - فهذا محل نزاع بين العلماء رحمهم الله.
يقول ابن رشد: واتفق الجمهور في الأيمان التي ليست إقسامًا بشيء - يقصد أنها ليست حلِفًا بأسماء الله وصفاته - وإنما تخرج مخرج الإلزام الواقع بشرط من الشروط، مثل أن يقول القائل: فإن فعلت كذا فعليَّ مشي إلى بيت الله الحرام، أو إن فعلت كذا وكذا فغلامي حر، أو امرأتي طالق، أنها تلزم في القرب، وفيما إذا التزمه الإنسان لزمه بالشرع، مثل: الطلاق والعتق، واختلفوا هل فيها كفارة أم لا؟
إذًا، فالمختلف فيه هو ما كان من الأيمان الالتزامية بصيغة القسم، والمعلق على صفةٍ إذا كان يقصد بها صاحبها الحلف للحض أو المنع لنفسه أو للغير وهو يكره وقوعها إذا وجدت الصفة أو الشرط، وقد اختلف العلماء - رحمهم الله - في ذلك على أقوال ثلاثة:
القول الأول: أنه يلزمه ما حلف عليه إذا حنث، وأنه إن لم يفعل ما حلف عليه أثِم ولا بد، وليس في ذلك كفارة، وهو قول مالك في الطلاق والنذر والظهار والتحريم والعتق، وقول أبي حنيفة في ظاهر الرواية، وقول الشافعي وأحمد في الطلاق والعتق دون النذر، وهو رواية عن أبي حنيفة.
إذًا، فالأئمة الأربعة متفقون على استثناء الطلاق والعتق من دخول الكفارة فيهما.