الصفحة 14 من 39

لا ينبسط للفعل، ولا ينشط مطلق الاختيار، فقد كره مالك - رحمه الله - أن ينذر الإنسان صوم يوم بعينه يؤقته، وعلل قوله شيوخنا بمثل هذا الذي قلناه، ويحتمل أن يكون الناذر لَمَّا لم يبذل ما بذل من القُربة إلا بشرط أن يفعل له ما يختار، صار ذلك كالمعاوضة التي تقدح في نية المتقرب، ويذهب الأجر الثابت للقربة المجردة، وفي الحديث: (( من عمل عملًا أشرك فيه غيري، فهو له ) )، ويشير إلى هذا التأويل قوله صلى الله عليه وسلم: (( إن النذر لا يقرِّب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدَّره له ) )، ولكن النذر قد يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج، وهذا كالنص على هذا التعليل الذي قلناه؛ لأنه أخبر صلى الله عليه وسلم أن موافقة القدر تخرج منه ما لم يرِدْ أن يخرج، وأن النذر ليس هو الجالب للقدر" [1] ."

هذا النذر أو النهي مثاله أن يقول: إن شفى الله مريضي، أو قدِم غائبي، فعليَّ عتق رقبة، أو صدقة كذا، أو صوم كذا، ووجه هذا النهي هو أنه لما وقف فعل هذه القربة على حصول غرض عاجل، ظهر أنه لم يتمحض له نية التقرب إلى الله تعالى بما صدر منه، بل سلك فيها مسلك المعاوضة، ألا ترى أنه لو لم يحصل غرضه لم يفعل؟! وهذا حال البخيل؛ فإنه لا يخرج من ماله شيئًا إلا بعوض عاجل يربي على ما أخرج، وهذا المعنى هو الذي أشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم: (( وإنما يستخرج به من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج ) )، ثم يضاف إلى هذا اعتقاد جاهل يظن أن النذر يوجب حصول ذلك الغرض، أو أن الله تعالى يفعل معه ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وإليهما الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: (( فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئًا ) )، وهاتان جهالتان: الأولى: تقارب الكفر، والثانية: خطأ صراح [2] .

قال أبو عيسى الترمذي: العمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم، كرهوا النذر، وقال عبدالله بن المبارك: معنى الكراهية في النذر في الطاعة والمعصية، وإن نذَر الرجل بالطاعة فوفى به فله فيه أجر، ويكره له النذر [3] .

(1) - أبو عبدالله محمد بن علي المازري، المعلم بفوائد مسلم، تحقيق محمد الشاذلي النيفر (ط 2، ج 2، بيروت، دار الغرب الإسلامي) ص 236.

(2) - أبو العباس أحمد القرطبي، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (ط 1، ج 4، دمشق - بيروت، دار ابن كثير - دار الكلم الطيب، 1417 ه - 1996 م) ص 606.

(3) - ابن العربي المالكي، عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي (ج 7، بيروت، دار الكتب العلمية) ص 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت