الصفحة 29 من 38

اقول: انهم لم يبينوا نوع العلة التي عللت بها الزيادة، ثم هل زوال العلة في الاحكام الشرعية يوجب الغائها وعدم اعتبارها مطلقًا؟ فلو اغتنى الفقراء يوم العيد هل تلغى زكاة الفطر؟ ولو عُدِم استخفاف المشركين هل يُترك الرمل في الطواف؟ ولو انتفت نقدية الذهب والفضة هل يمتنع ادراجها مع الاصناف الربوية؟ ومعلوم أن تعليل الشارع للحكم بعلتين فاذا زالت احداها لم ينتفي الحكم، ثم في العبادات هل الاصل فيها التعليل حتى تزول بزوال حكمها او ان الاصل فيها التعبد والتوقف؟.

ثم ان تشددهم رحمهم الله واعتقادهم أن عدد صلاة التراويح ثمانية من دون الوتر وان الزيادة عليها بدعة فقولهم هذا في اعتقادي محض الخطأ؛ إذ ليس لهم دليل على ما قالوا إلا ما ثبت في الصحيحين عن السيدة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا في غيره على أحدى عشرة ركعة) [1] ، يعني التراويح ثمانية والوتر ثلاثة فأصبح أحدى عشرة ركعة، ولا يصح الاستدلال بهذا الحديث على التراويح لأمور:

1 -أنها قالت ما زاد رسول الله لا في رمضان ولا في غيره، فهل في غير رمضان تراويح؟ الجواب: لا، إذًا المقصود بما قالت السيدة عائشة رضي الله عنها هو الوتر لأن أكثر الوتر أحد عشر ركعة وهو في رمضان وغير رمضان، إذًا لا يصح الاستدلال بهذا الحديث على التراويح بل هو وارد في الوتر فقط.

2 -ان قول السيدة عائشة رضي الله عنها محمول على الغالب قال النووي رحمه الله: (( قال القاضي قال العلماء في هذه الأحاديث اخبار كل واحد من ابن عباس وزيد وعائشة(رضي الله عنهم) بما شاهد وأما الاختلاف في حديث عائشة فقيل هو منها وقيل من الرواة عنها فيحتمل أن أخبارها بأحدى عشرة هو الأغلب وباقي رواياتها اخبار منها بما كان يقع نادرا في بعض الأوقات فأكثره خمس عشرة بركعتي الفجر وأقله سبع وذلك بحسب ما كان يحصل من اتساع الوقت أو ضيقه بطول قراءة ... )) [2] .

3 -ان ما ذكرته السيدة عائشة رضي الله عنها انما هو فيما كان يصليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتها لا مع اصحابه في المسجد في تلك الليلتين؛ لأنها تحكي غالبًا ما يجري في بيتها قال ابن حجر: (( مع كونها أعلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم ليلا من

(1) أخرجه البخاري في صحيحه: باب قيام النبي صلى الله عليه وسلم بالليل في رمضان وغيره، برقم: (1147) ، 2/ 53، مسلم في صحيحه: باب قيام رمضان وغيره برقم: (1757) ، 2/ 166.

(2) شرح النووي على مسلم 6/ 18.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت