الصفحة 27 من 37

المطلب الرابع

في أثر الجهل بمحظورات الإحرام في الحج

اختلف أهل العلم - رحمهم الله- في حكم من ارتكب محظورًا من محظورات الإحرام جاهلًا على أقوال:

القول الأول: أنه لا يعذر مطلقًا، وحكمه في ذلك حكم العامد، وهو قول الحنفية [1] ، والمالكية [2] .

دليلهم: استدلوا بعموم الأدلة الدالة على ثبوت الكفارة والفدية بمجود الفعل، فلم يجعل الله المرض والأذى عذرًا في سقوط الفدية مع أن صاحبها معذور، لأنه في حكم المكره، فكذلك غيرهما بجامع العذر في الكل، والآية وإن كانت واردة في الحلق، إلا أن غيره من المحظورات في معناه، لاتحاد العلة.

القول الثاني: أنه يعذر في اللباس والطيب والتغطية والجماع مما هو من قبيل الترفه والزينة، ولا يعذر في الحلق والتقليم والصيد مما هو من قبيل الإتلاف، هو قول الشافعية [3] .

دليلهم: واستدلوا بالآية السابقة، وحملوها على ما فيه إتلاف، جمعًا بينهما، وبين الأدلة الأخرى الدالة على العذر بالجهل مطلقًا، وعلى العذر به في بعض المحظورات، من ذلك:

1 -قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] وقد ورد في الحديث أن الله تعالى قال:"قد فعلت" [4] .

2 -حديث يعلى بن أمية:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جاءه رجل متضمخ بطيب، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعد ما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ساعة، فجاءه الوحي ثم سري عنه، فقالت: أين الذي سألني عن العمرة آنفًا، فالتمس الرجل فجيء به، فقالت: أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في العمرة كل ما تصنع في حجك" [5] . ولم يأمره رسم بالفدية، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز اتفاقًا.

(1) اللباب 1/ 163، ورد المختار 2/ 250.

(2) الكافي لابن عبد البر 1/ 337، والثمر الداني ص 227.

(3) المجموع 7/ 224 - 225، وشرح التنبيه 1/ 352.

(4) سبق تخريجه.

(5) أخرجه البخاري، كتاب الحج، باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب، برقم (1536) ، 3/ 496 - 495 الفتح، ومسلم، كتاب الحج برقم (118) 2/ 836.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت