الصفحة 6 من 37

المطلب الأول

خطر الجهل وضرره

إن الجهل بالله تعالى وبدينه وشرعه، طريق للمهالك، وبوابة للشرك والبدع والأهواء، ومصيدة للشيطان على الإنسان، لأن صاحبه منه قريب، وعن الله تعالى بعيد، وذلك لأن الجاهل قد يظن الدمار نافعة، والنافع ضارًا، ومثله في ذلك مثل البهيمة: تأكل ما فيه هلاكها وعطبها، وتنقاد بنفسها إلى حتفها، الإنسان إنما ميز عن غيره من الحيوان: بالعلم والبيان، فإذا عدم العلم، بقى معه القدر المشترك بينه وبين سائر الدواب، وهو: الحيوانية المحضة [1] .

والجهل كله فتنة وظلمة، أينما حل وحيثما ارتحل، حتى مع الصلاح والعبادة!! يقول سفيان الثوري وغيره: احذروا فتنة العالم الفاجر، وفتنة العابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون [2] .

وقد أمرنا في كل ركعة من صلواتنا، أن نسأله تعالى أن يجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، والمغضوب عليهم: اليهود ومن شاغلهم، ممن معه علم ولم يعمل به، والضالون: النصارى وأشباههم، ممن يعمل ولا علم معه، نعوذ بالله من الخذلان ونسأله العفو والغفران.

والجهل إذا سرى في مجتمع دمره وأهلكه، وأفسده وبدده، وكان أهله كالسباع في الغاب، والبهائم في الرعي.

وإذا تأملت حال العرب قديمًا في جاهليتهم، أدركت كيف يودي الجهل بأصحابه أفرادًا ومجتمعات إلى الانحطاط الخلقي والأخلاقي، والفساد الاجتماعي والبيئي، في أقصى درجاته، حتى لقد سمي ذلك العصر: بالعصر الجاهلي، وعرف أهله: بالجاهليين.

ولقد صدق من قال:

وكما الجهل قبل الموت موت لأهله=وأجسامهم قبل القبور قبور

وأرواحهم في وحشة من جسومهم=وليس لهم حتى النشور نشور [3]

والجاهل إذا ساد أو قاد: أفسد وأهلك، وضل وأضل، وعندئذ هو ومن قاده: أموات يكبر عليهم، كما قال الأول:

لانصلح الناس فوضى لاسراة لهم=ولاسراة إذا جهالهم سادوا [4]

(1) انظر: مفتاح دار السعادة ص 78.

(2) انظر: الفوائد لابن القيم ص 247.

(3) ذكره ابن القيم في مفتاح دار السعادة، ولم يعزه، ص 48.

(4) عزاه الثعالبي في لباب الآداب إلى الأفوه الأودي الجاهلي ص 112.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت