المطلب الثاني
أثر الجهل بحرمة الكلام في الصلاة
اختلف أهل العلم - رحمهم الله - فيمن تكلم في الصلاة جاهلًا على أقوال:
القول الأول: أنها تبطل به مطلقًا وذهب إليه الحنفية [1] ، والمالكية [2] ، والحنابلة [3] .
دليلهم: واستدلوا بعموم الأحاديث المصرحة بالنهي عن التكلم في الصلاة، فإنها لم تفرق بين العامد والناسي والجاهل، من شهرها:
حديث زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال:"كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتي نزلت: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] ، فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام" [4] .
القول الثاني: أنها لا تبطل به إذا كان يسيرًا، أما إذا كان كثر فتبطل الصلاة به، وذهب إليه الشافعية [5] .
دليلهم: واستدلوا على التفريق: بأن الكثير يخالف نظم الصلاة، فلم يصح العذر به، وجعلوا العرف هو الضابط لكثرة والقلة، أما القليل فاستدلوا له بدليل أصحاب القول الثالث الآتي.
القول الثالث: لا تبطل به الصلاة مطلقًا، وهو رواية عن أحمد [6] ، ووجه عند الشافعية [7] .
دليلهم: واستدلوا بحديث معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - قال:"بينما أنا أصلي مع رسوله الله - صلى الله عليه وسلم - إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم"
(1) اللباب 1/ 70، ورد المختار 1/ 413.
(2) بلغة السالك 1/ 228، والقوانين الفقهية ص 98، وشرح زيدان على مختصر خليل 1/ 201، والثمر الداني ص 182.
(3) الروض المربع بحاشية ابن قاسم 2/ 154، والمبدع 1/ 513، وشرح منتهى الإرادات 461/ 1.
(4) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، باب: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [البقرة: 238] أي مطيعين، برقم (4534) ، 8/ 249 الفتح، ومسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، برقم (539) ، 1/ 383.
(5) روضة الطالبين 1/ 395، وشرح التنبيه 1/ 139 - 140.
(6) المبدع 1/ 513 - 514.
(7) المجموع 4/ 10 - 11، وشرح التنبيه 1/ 140.