الصفحة 14 من 37

وبنحو ما صدر به ابن السبكي تعريفه، عرف التفتازاني [1] في التلويح الجهل، فقال:"وهو عدم العلم عما من شأنه، فإن قارن اعتقاد النقيض فمركب، وهو المراد بالشعور بالشيء على خلاف ما هو به، وإلا فبسيط، وهو المراد بعدم الشعور" [2] .

وهذا هو المختار عند الحنفية، وقد تتابعوا على ذكره والحد به، وهم يرون أن الجهل أعم من البسيط والمركب، كما أشار إليه ابن الأمير الحاج في التقرير [3] .

وبعدما سبق ذكره، فالخلاصة والتحقيق في المسألة أن يقال:

إن في تعريف الجهل قولين مشهورين:

القول الأول: أنه إدراك المعلوم على خلاف ما هو به.

وهذا هو قول جمهور المتكلمين من الأصوليين، وأقوالهم في الحد به متقاربة كما تقدم في كلام الكلوذاني، إذ المؤدى فيها واحد [4] ، وممن عرف به أيضًا الآمدي، وقد جعله الرافعي هو المعنى المشهور للجهل [5] .

القول الثاني: أنه عدم العلم عما من شأنه أن يعلم.

وهو قول الأحناف ومن وافقهم كابن السبكي وغيره، وقد تقدمت ذكر أقوالهم، وهي متقاربة.

وفي تقرير هذا المعنى يقول الرافعي [6] :"الجهل معناه المشهور: الجزم بكون الشيء على خلاف ما هو عليه، ويطلق ويراد به عدم العلم بالشيء" [7] .

(1) هو مسعود بن عمر التفتازاني، برع في العلوم العقلية وعلوم الآلة، ولد سنة (712 ه) وتوفي سنة (792 هـ) . انظر: الدرر لابن حجر 6/ 112.

(2) شرح التلويح 2/ 377.

(3) التقرير 3/ 397.

(4) خلافًا لبعض المتعسفين من متكلمي الأصوليين الذين يتكلفون فيما يدخل في العبارة ويخرج منها، مما يعلم قطعًا أن قائلها لم يتأمل ما ذكروه وبقصده في كلامه، وإنه أتاهم هذا بسبب اعتقادهم أن الحد لا بد أن يكون مبينًا لحقيقة المحدود، ومصورًا لماهيته، وهذا متعسر جدًا بل يكاد يكون متعذرًا لذا لا يكاد يسلم لهم حد من الاعتراض، وإذا رأيت كلامهم في حد العلم وهو من أوائل الحدود في مؤلفاتهم، رأيت العجب العجاب، والحيرة والاضطراب، مع أن العلم أمر بدهي يدركه العقلاء، والحد إنما هو معرف للمحدود ودليل عليه بمنزلة الاسم، وقد أشار إلى هذا بعض المحققين من أهل العلم كشيخ الإسلام ابن تيمية في مواضيع من كتبه، وتوسع في بيان ذلك في كتابه: الرد على المنطقيين، وقد جمع ذلك وغيره من كلامه في الأصول: عبد الرحمن الأمير في كتابه: حصول المأمول من كلام شيخ الإسلام في الأصول، وقد خرجت حديثًا رسالة للصنعاني حول هذا المعنى بعنوان: من مزالق الأصوليين.

(5) ذكر ذلك كله الزركلي في تشنيف المسامع 1/ 228.

(6) هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم، أبو القاسم القزويني، صاحب الشرح المشهور على الوجيز في الفقه الشافعي، توفي في آخر سنة (624 هـ) بقزوين.

(7) نقله عنه الزركشي في تشنيف المسامع 1/ 288.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت