وعن عائشة رضي الله عنها، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضاحكا حتى أرى منه لهواته [1] ، إنما كان يتبسم، قالت: وكان إذا رأى غيما أو ريحا عرف في وجهه [2] ، قالت: يا رسول الله إن الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية، فقال:"يا عائشة ما يؤمنني أن يكون فيه عذاب؟ عذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: هذا عارض ممطرنا" [3]
و عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور) [4]
الهديات المستنبطة من الآيات:
بيان أن الإعراض عن دين الله والإصرار على الفسق عن أمر الله، والاستمرار على الخروج على طاعته إذا استوجب صاحبه العذاب ونزل به لم يغن عنه ذكاؤه ولا دهاؤه ولا علمه وحضارته ولا علوه وتطاوله. بيان أن الآيات والحجج وضرب الأمثال وسوق العبر والعظات لا تنفع في هداية العبد، إذا لم يرد الله هدايته {إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُ} ويحيق به العذاب ويهلكه جزاء تكذيبه وكفره وإعراضه وفسقه.
{وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ * فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ *ذلِكَ جَزاءُ أَعْداءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيها دارُ الْخُلْدِ جَزاءً بِما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ} (فصلت: 26/ 28)
قوله تعالى: {وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} ..
أي أن هؤلاء الضالين من المشركين، وقد اجتمع بعضهم إلى بعض، وتلاقوا على طريق الضلال- تشكل منهم هذا الكيد الذي أجمعوا أمرهم عليه، ليكيدوا به للنبي الكريم، وللقرآن الذي يتلوه عليهم، وهو أن يشوّشوا على النبي وهو يتلو القرآن، ويكثروا من اللفظ، واللغط، حتى لا تنفذ كلماته إلى الآذان، ولا تصل إليها إلا مختلطة مضطربة .. وقد ظنوا أنهم بهذا العبث
(1) (لهواته) جمع لهاة وهي اللحمة المتعلقة في أعلى الحنك وترى عند الضحك الشديد.
(2) (عرف في وجهه) أي تغير وجهه وبدت عليه الكراهية والخوف
(3) صحيح البخاري (4829) وصحيح مسلم (899)
(4) الصبا (بالفتح) : ريح الشمال. والدبور: ريح الجنوب.