المطلب الأول: الجحود بآيات الله والاستكبار عن الحق وتكذيب النبي - صلى الله عليه وسلم -
{قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ} (الأنعام 33)
أسباب نزول الآية:
قال السدي: التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل بن هشام، فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم أخبرني عن محمد أصادق هو أم كاذب؟ فإنه ليس هنا من يسمع كلامك غيري، فقال أبو جهل: والله إن محمدا لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة فماذا يكون لسائر قريش؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية [1] .
ليحزنك: أي لوقعك في الحزن الذي هو ألم النفس من جراء فقد ما تحب من هدايتهم أو من أجل ما تسمع منهم من كلم الباطل كتكذيبك وأذيتك
فإنهم لا يكذبونك: أي لا ينسبونك إلى الكذب في بواطنهم ومجالسهم السرية لعلمهم اليقيني أنك صادق.
هذه الآيات من تربية الله تعالى لرسوله وإرشاده لما يشد من عزمه ويزيد في ثباته على دعوة الحق التي أناط به بلاغها وبيانها فقال له تعالى: {قد نعلم أنه} أي الحال والشأن، {ليحزنك الذي يقولون} أي الكلام الذي يقولون لك وهو تكذيبك واتهامك بالسحر، والتقول على الله، وما إلى ذلك مما هو إساءة لك وفي الحقيقة إنهم لا يكذبونك [2] لما يعلمون من صدقك وهم يلقبونك
(1) أسباب نزول القرآن (1/ 216) أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي
(المتوفى: 468 هـ) المحقق: عصام بن عبد المحسن الحميدان الطبعة: الثانية، 1412 هـ - 1992 م
(2) روي أن أبا جهل وجماعة معه من رجالات قريش مرّوا بالنبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا يا محمد ما نكذّبك وإنّك عندنا لصادق ولكن نكذّب ما جئت به. وهذه الآية شاهد لصحة هذه الرواية، ومعنى يكذّبونك ينسبونك إلى الكذب ويردون قولك.