على سبيل المثال لا الحصر يونس بن حبيب النحوي ومعمر بن المثنى ـ المتوفى سنة 209 والزجاجي والمبرد، وكذلك السيرافي الذي يقول: وأكثر الناس على أبي الأسود. وكذلك قال ابن الأنباري: إن الروايات كلها تسند وضع النحو إلى أبي الأسود، وأبو الأسود يسنده إلى علي. ويعزز هذا القول قول الرازي: وتطابقت الروايات على أن أول من وضع النحو أبو الأسود، وأنه أخذه أولا من علي، وهكذا يقول السيوطي. وكثير من المحدثين ساروا على هذا الطريق.
وفي مقابل هذا الرأي برز بعض المعاصرين الذين رفضوا هذه الروايات، كما رفضوا نسبة وضع العلم واصطلاحاته إلى علي بن أبي طالب وأبي الأسود الدؤلي، ومن هؤلاء نذكر، دائرة المعارف الاسلامية وأحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام، وإبراهيم مصطفى في بحث له نشره في مجلة كلية الآداب المصرية، وشوقي ضيف في أكثر من موضع في كتبه وأبحاثه النحوية، وكذلك بعض المستشرقين الذين عدوا جميعًا هذه الروايات أحاديث خرافة، أمّا عن الأسباب التي دفعت هؤلاء إلى نسف هذه الروايات ورفضها، فأذكر منها:
1 -اختلاف الروايات نفسها في لفظها ومتنها، من حيث أسباب وضع النحو، ومن هو واضعه الحقيقي، فقد دفع اختلاف الروايات في سبب وضع النحو واختلاف واضعه إلى التشكيك في الروايات نفسها. يقول أحمد أمين: ويشهد لهذا الروايات الكثيرة المتناقضة في سبب الوضع"أي وضع علم النحو. (ضحى الإسلام: 2/ 285) وحول هذا يقول الدجني: وهذه الروايات التي تتنازع واضع النحو، والتي تتباين في سبب وضعه، تبدو للمتتبع الممحص مختلفة مضطربة لايركن اليها، ولا يطمان الى ما تهدف اليه". (أبو الأسود الدؤلي ونشأة النحو العربي 6) وكذلك يقول فؤاد حنا ترزي: وتبدو هذه الروايات مضطربة متناقضة. (في أصول اللغة والنحو: 10)
2 -نقط المصحف والنحو: خلط العلماء بين جهود أبي الأسود في نقط المصحف ووضع علم النحو، فأبو الأسود لم يضع النحو واصطلاحاته بل وضع تحريك المصحف الشريف بالنقط، كما أجمعت الروايات التاريخية قديمًا وحديثًا دون اختلاف. وهذا الذي فعله ابو الأسود قد ظنه القدماء نحوًا، فقد قال لكاتبه قوله المشهور: إذا رأيتني لفظت بالحرف فضممت شفتي فاجعل أمام الحرف نقطة فإذا ضممت شفتي بغنة فاجعل نقطتين فإذا رأيتني قد كسرت شفتي فاجعل أسفل الحرف نقطة فإذا كسرت شفتي بغنة فاجعل نقطتين فإذا رأيت قد فتحت شفتي فاجعل على الحرف نقطة فإذا فتحت شفتي بغنة فاجعل نقطتين. لذلك نسب إليه وضع النحو، يقول أحمد أمين: وعلى هذا فمن قال: إن أبا الأسود وضع النحو فقد كان يقصد شيئا من هذا، وهو