للنحو مذهبان لا ثالث لهما، هما المذهب البصري، والمذهب الكوفي. وتبحث هذه الدراسة في اصطلاحات المذهب البصري كونه هو المنشئ الحقيقي لعلم النحو وواضع اصطلاحاته. وإلى المدرسة البصرية يرجع الفضل في إقامة صرح النحو العربي بكل ما يتصل به من قواعد ... وخاصة عند الخليل بن أحمد فهو الذي صاغه في صورته العامة المعروفة بأبوابه وعوامله ومعمولاته، وكل ما سند بناءه من سماع وتعليل وقياس قويم ... وأتم، سيبوبه صنيعه في مصنفه الكتاب الذي عدّه النحاة آية كبرى لا سابق لها ولا لاحقة، وخلفه الأخفش الأوسط ففسح اللغات والقراءات الشاذة محتجا لها ومدافعا دفاعا شديدا، وفي هذه الأثناء استطاع الكسائي وتلميذه الفراء أن يشيدا في الكوفة مدرسة نحوية تعتمد على صورة النحو البصري العامة.
يميل جل الباحثين في أصول النحو العربي ونظرته إلى أن الاصطلاحات النحوية وحدوده ظهرت بولادة النحو نفسه، وتطورت في ظلاله وكنفه، وربما تعدّ هذه المسألة من المسائل التي شغلت بال مؤرخي النحو العربية وأصوله، وظهرت في هذه المسألة اتجاهات ومذاهب تختلف إلى حدّ الافتراق والتناقض، يعتقد الباحث شخصيًا بعد اضطلاعه وبحثه وتنقيبه في نشأة هذا العلم إلى أن الاصطلاح النحوي عمومًا والبصري خصوصًا قد مرّ بثلاث مراحل بالاستناد إلى الكتاب بوصفه مركزًا ومحورًا للتأريخ النحوي، كيف لا وهو قرآن النحو:
المرحلة الأولى: الاصطلاحات النحوية قبل الكتاب: وهي تمثل بذور الاصطلاحات النحوية البصرية المتشكلة من الروايات المنسوبة إلى أبي الأسود الدؤلي إلى عصر الخليل بن أحمد الفراهيدي، وهي تمثل مرحلة إرهاصات نشأة النحو العربي نفسه، وتعدد روايات هذه النشأة واختلافها وبلوغها حد التناقض في كثير من الأحيان وولادة بعض اصطلاحاته. ومن أعلامها نصر بن عاصم، وبن هرمز، وعنبسة بن معدان الفيل، ويحيى بن يعمر. والحضرمي وعيسى بن عمر، وأبو عمرو بن العلاء، والأخفش الأكبر والخليل بن أحمد الفراهيدي.