الباب الثاني
دلالة النهي في القرآن الكريم
أولًا: الأمر.
قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [الأنعام: 151] .
قوله تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 151] ؛ أي: قل يا رسول الله لهؤلاء المشركين، الذين عبدوا الأصنام، وأشركوها مع عبادة الله، وحرموا ما رزقهم الله، وقتلوا أولادهم، وحرموا وحلَّلوا لأنفسهم بأهوائهم ووسوسة الشياطين لهم: هلموا وأقبلوا أقرأ وأقص عليكم، وأخبركم بما حرم الله ربكم، أمرًا من عنده [1] .
وتتابع الآية في المناداة بحق الأولاد، فهو مفوض ومكفول، والله تعالى هو الرازق الذي رزق الآباء والأبناء؛ فليس من العقل قتل الأولاد مخافة الفقر، ثم في الانتقال من ضمير الغيبة {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} [الأنعام: 151] إلى التكلم بضمير {نَرْزُقُكُمْ} [الأنعام: 151] شأن عظيم؛ يقول الطاهر بن عاشور في ذلك: وعدل عن طريق الغيبة الذي جرى عليه الكلام من قوله: {مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ} [الأنعام: 151] إلى طريق التكلم بضمير {نَرْزُقُكُمْ} [الأنعام: 151] تذكيرًا بالذي أمر بهذا القول كله، حتى كأن الله أقحم كلامه بنفسه في أثناء كلام رسوله الذي أمر به فكلم الناس بنفسه.
{وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام: 151] والأمر بالنهي هذه المرة عن الاقتراب من الفواحش ما ظهر منها وما بطن؛ فالأمر يعتمد على النهي عن مجرد الاقتراب من هذه الفواحش، التي من شأنها تدنيس كرامته، وتعلو حدة التنبيه من أن الفواحش قد تكون ظاهرة واضحة وضوح الشمس، وقد تكون خفية لا يدرك خطورتها وهَوْلَها إلا أصحاب العقول اليقظة، وعلاقة النهي هنا عن النهي بالإشراك بالله هو أن الاقتراب من هذه الفواحش يدنس العقيدة.
{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: 151] ، وقتل النفس بغير حق من أعظم الجرائم عند جميع البشر.
(1) . المصري، النهي في القرآن الكريم. ص 25.