فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 313

الشدة في الدين (الحمس) :-

وذلك لأنهم عظموا الحرم تعظيما زائدا بحيث التزموا بسببه أن لا يخرجوا منه ليلة عرفة وكانوا يقولون: نحن أبناء الحرم وقطان بيت الله. فكانوا لا يقفون بعرفات. مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم عليه السلام - حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة وكانوا يمنعون الحجيج والعمار - ما داموا محرمين - أن يأكلوا إلا من طعام قريش ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس طاف عريانا ولو كانت امرأة ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أحله.

فكانوا كذلك حتى بعث الله محمدا - صلى الله عليه وسلم - وأنزل عليه القرآن ردا عليهم فيما ابتدعوه فقال: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ} أي: جمهور العرب من عرفات {وَاسْتَغْفِرُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [1] .

وقد قدمنا: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقف بعرفات قبل أن ينزل عليه توفيقا من الله له وأنزل الله عليه ردا عليهم فيما كانوا حرموا من اللباس والطعام على الناس: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللّهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} [2] .

قال عروة: كان الناس يطوفون في الجاهلية عراة إلا الحمس - والحمس: قريش وما ولدت - وكانت الحمس يحتسبون على الناس يعطي الرجل الرجل الثياب يطوف فيها وتعطي المرأة المرأة الثياب تطوف فيها فمن لم تعطه الحمس طاف بالبيت عريانا.

وكان يفيض جماعة الناس من عرفات وتفيض الحمس من جمع [3] .

بعض ما جاء من أهل الكتاب في النبي - صلى الله عليه وسلم:-

روى ابن إسحاق عن سلمة بن سلامة بن وقش - وكان من أهل بدر - قال: كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال: فخرج علينا يوما من بيته حتى وقف على بني عبد الأشهل - قال سلمة: وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا علي فروة لي مضطجع فيها بفناء أهلي - فذكر القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار. قال: فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت. فقالوا له: ويحك يا فلان أو ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم؟ قال: نعم والذي يحلف به ويود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدار يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطينونه عليه وأن ينجو من تلك النار غدا. قالوا له: ويحك يا فلان فما آية ذلك؟

قال: نبي مبعوث من نحو هذه البلاد. وأشار بيده إلى نحو (مكة) واليمن. قالوا: ومتى تراه؟

(1) (البقرة: 199.) .

(2) (من سورة الأعراف) .

(3) (صحيح السيرة النبوية للألباني 2/ 599) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت