(المنهج التجريبي:
يعتمد المنهج التجريبي على مقوم أساسي ألا وهو التجريب. ويعني هذا أن التجربة عند الفلاسفة التجريبيين، كدافيد هيوم، وجون لوك، واستيوارت ميل، وكلود برنار ... هي المصدر الوحيد للمعرفة الإنسانية. ومن ثم، تنطلق المعرفة التجريبية من الملاحظة العلمية المركزة، مع تحويل الأفكار التخمينية إلى فرضيات علمية. وبعد ذلك، يلتجئ الباحث إلى استعمال التجربة مرات عدة، بغية تحصيل النتائج اليقينية. ومن ثم، تتحول تلك النتائج المحصل عليها إلى قوانين علمية، فنظريات علمية مجردة كلية، تصف في عمقها الظواهر التجريبية المدروسة في الواقع.
وإذا كانت العلوم التجريبية قد استفادت من المنهج التجريبي في بناء معطياتها العلمية، فإن العلوم الإنسانية، بما فيها علوم التربية، قد حاولت بشكل من الأشكال تمثل خطوات المنهج التجريبي في بناء البحوث البيداغوجية والديداكتيكية. و"إذا كانت الظواهر الطبيعية تستجيب بسهولة لشروط الضبط التجريبي؛ لكونها مادية، وملموسة، وثابتة، وخاضعة لقوانين السببية والحتمية، فإن الظواهر الإنسانية التي تتميز بالتجريد، والتغير، وعدم الثبات، والوعي، والإرادة ... يصعب إخضاعها للإجرءات التجريبية المتبعة في المختبر أو غيره. إن هذه الصعوبة لم تمنع العلماء من التفكير في طرائق مناسبة. والنتيجة هي تكييف المنهج التجريبي الفيزيائي مع خصوصيات الظواهر الإنسانية."
وهكذا، فقد أصبح المختبر هو البيئة الطبيعية لتواجد الظاهرة، كالمدرسة، والحياة الأسرية، والعلاقات الاجتماعية، وأصبحت التجربة هي عبارة عن ملاحظة مقصودة وموجهة، هدفها خلق شروط أو ظروف خاصة، تمكن من الدراسة المنظمة لتأثير متغير أو مجموعة من المتغيرات على بعضها البعض." [1] "
وعليه، يقصد بالمنهج التجريبي دراسة العلاقات والتأثيرات السببية بين المتغيرات، وتفسير تلك العلاقات عن طريق التجريب والضبط والتحكم. بمعنى أن البحث التجريبي يعتمد على مجموعة من الأسس العامة التي تتمثل في المتغيرات، وضبط التجربة، وطرائق ضبط المتغيرات، والتصميمات التجريبية. ومن ثم، فالمتغير عبارة عن مكون رئيس في التجربة. وهنا، يتم الحديث عن متغيرين: متغير مستقل، ومتغير تابع. فالمتغير الأول هو الذي يحدث الأثر في الثاني، ويتحكم فيه تأثيرا وتوجيها وتجريبا، مثل: (أثر التدخين على مردودية تلاميذ الثانوي) . فمتغير التدخين هو الذي يؤثر في العامل الثاني، ويترك آثاره عليه. أي: إن المتغير المستقل (التدخين) يتحكم في العامل الثاني، ألا وهو (مردودية التلاميذ) . وتهدف التجربة إلى معرفة التأثير الحاصل على تحصيل التلاميذ. ولا يكفي أن نعرف المتغير المستقل والمتغير التابع في العملية التجريبية، وكيفية ضبط التجربة، بل لابد من معرفة مجموعة من العوامل التي قد تؤثر سلبا أو إيجابا على المتغير التابع، دون أن تكون ناتجة عن المتغير المستقل، مثل العوامل التي تنشأ عن المجتمع
(1) - خالد المير وإدريس قاسمي: مناهج البحث التربوي، سلسلة التكوين التربوي، رقم:16، مطبعة دار النجاح الجديدة، الدار البيضاء، المغرب، طبعة 2001 م، ص:47 - 48.