ثانيا: رأينا في المسألة.
أرى بأن مسألة تحرير المرأة قد تولّد فيها توجهين ... أما التوجّه الأول فهو دعوة متجددة نحو تحرير المرأة من القيود الظالمة والجائرة التي تولّدت من الأعراف، والعادات، والتقاليد، والتي حرمت المرأة في أوائل القرن العشرين من حقها في الميراث، وحقها في التعليم، وذلك وفقا لما استعرضناه من محطات تاريخية قد مرت بها المرأة.
وهذه الدعوة من دون شك دعوة مشروعة ينبغي أن تؤيّد من قبل المفكّرين الإسلاميين المتعقّلين، والذين ينبغي أن يعيدوا توجه المجتمع إلى نصابه بإقرار ما قررته الشريعة الإسلامية للمرأة من مكانة وحقوق، ومما لا شك فيه أن حقوق المرأة التي سلبت في زمن من الأزمان عادت إليها وفق ما تؤكّد عليه حقائق الواقع، فالمرأة اليوم لم تعد محرومة من حقها في الميراث، كما أن حقها في التعليم ممنوح لها على وجه الكمال.
أما الدعوة السائدة في واقع اليوم، والوافدة من دون شك من الغرب، فهي دعوة مرفوضة لا نبتغيها للمرأة في مجتمعاتنا الإسلامية، بل إن المرأة المسلمة العاقلة لا تبتغيها لنفسها؛ وذلك لما ينعكس من وراءها من آثار تقضي على المكانة التي حازتها المرأة في الإسلام.
فهي دعوة تحرر المرأة من الحشمة، وتجعلها تهيم في خداع حرية عمياء تضيّعها كإنسانة أولا، كما أنها تنال من دورها الذي كتبه الله لها، فهي دعوة إلى ترذيل المرأة والعمل على الحط من مكانتها.
ويبقى أن نؤكّد قبل أن نطوي المقام في تناولنا لهذه المسألة بأن هناك فكرة هامة يتفق عليها جميع العقلاء ومن كان في فكرهم ذرة من الإنصاف وهي تتمثل في أنه ليس هناك حرية بلا قيود، ولا يمكن أن يكون تبني دعوة التحرر من القيود بشكل مطلق تبن إيجابي، بل هو تبن مدمّر للمجتمع، ويؤدي إلى التصادم بين أفراده وجماعاته.
فالحرية في جميع المجتمعات المتمدنة حرية مقيّدة من دون شك بأنظمة وقوانين تحكم مختلف أوجه الحياة وجوانبها، ويبقى أن نؤكّد على أن التحرر الذي نبتغيه للمرأة المسلمة في هذا العصر وفي كل عصر إنما يكون تحررا قد أحاط بأبعاد تركيبتها كمخلوق من مختلف النواحي، ومما لا شك فيه أن فرضيات عقيدتنا تؤكّد لنا أن ذلك نستقيه من النظام الرباني المحكم، والذي يمكن من خلاله أن تنال المرأة كرامتها، ودورها الفعّال والمؤثّر في المجتمع حسب الوضع الذي رسمه الله جل وعلى لها.