له، وأصبحت مؤهّلة أهلية تامة غير مقيّدة إلا بما حرّم الله عز وجل ورسوله في جميع تصرفاتها، وأحوالها الشخصية، والاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية.
بل إن المرأة في عهد الحضارة الإسلامية وعت أن القرآن الكريم يريد أن يجعل منها قادرة على تحمل الأمانة، فاستجابت لذلك وتكاملت مع أخيها الرجل في حمل أمانة الخلافة على الأرض بثقلها ومسؤولياتها، واستطاعت حماية حقوقها التي منحها الله عز وجل إياها دون أن تفرّط فيها أو تتنازل عنها، أو تتساهل فيها، كما عملت على أداء واجباتها غير منقوصة تجاه ربها أولا، ثم تجاه نفسها وأسرتها ومجتمعها وأمتها، وعاشت في ظل كل هذا مكرّمة ومعززة.
ولكن هذه المكانة تسلل إليها الوهن والخلل حين ابتعد المسلمون عن منابع وجودهم - القرآن والسنة -، فساء تصوّرهم للمرأة ولحقوقها وواجباتها، وساء تبعا لذلك سلوكهم في معاملتها، وتعدوا حدود الله في ذلك فظلموا أنفسهم وظلموها وخصوصا في عصور التخلّف التي بعدت الأمة فيها - إلا من رحم ربك - عن هدي النبوة، ووسطية الإسلام، ومنهج السلف الذي يتميز باليسر والاعتدال).
ثم بينت بعد ذلك حقيقة الدعوات التي تجري على أرض الواقع نحو تحرير المرأة، وأنها لا ترتكز إلا على المبادئ التي ارتكزت عليها المرأة الغربية في دعوتها للتحرر بجريها نحو حريّة عمياء لا تعلم مداها ونهايتها، وذلك بعد أن فقدت مكانتها التي كانت قد تبوأتها في عصر النبوة وما بعده من القرون المفضّلة: (وفي خضم هذا الوضع المزري الذي بلغته، كثرت الدعوات التحررية وحاولت إخراجها من تخلّفها ومعاناتها، إلا أن ابتعاد هذه الدعوات عن امتلاك رؤية نابعة من صميم حضارتها، وإصرارها على ضرورة تقليد النموذج الغربي من أجل التحرر أفرز وضعية ماسخة للمرأة، وأبعدها عن معالم الطريق الصحيح الذي يجب عليها اتباعه من أجل امتلاك ذاتها من جديد، والمساهمة في استعادة مبدأ الخيرية الذي اختصت به هذه الأمة، والعمل بجانب الرجل في تحقيقه على أرض الحقيقة والواقع ... {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [1] .، شرط تحسينها من مستوى أدائها لمنهج الله دون تطرّف أو تمييع، وتقديم النموذج الصالح من نفسها لتكون قدوة ومثلا للانضباط والحزم والتسامح والحوار لأبنائها والمحيطين بها) [2] .
ولعلنا في هذه المقام نستعرض وجهة نظر مغايرة لوجهة النظر السابقة ... إنها وجهة نظر لإحدى الداعيات لتحرير المرأة على نحو يطلق لها العنان من خلاله دون انضباط بقواعد النظرية الإلهية في نظرتها لكل من الرجل والمرأة، ودون أدنى اهتمام بفطرة الله التي فطر الناس عليها، فهي دعوة لتحرير المرأة بمساواتها تماما في مختلف الأدوار في المجتمع مع الرجل،
(1) آل عمران: 110.
(2) السعداوي - نوال، قضايا المرأة والفكر والسياسة، الطبعة الأولى، 2002، دار ومكتبة الهلال، عربية للطباعة والنشر، ص 83.