ذكر طرفا من الفروق بين الرجل والمرأة: (إن الإسلام بعد أن أعلن موقفه الصريح من إنسانية المرأة وأهليتها وكرامتها، نظر إلى طبيعتها وما تصلح له من أعمال الحياة، فأبعدها عن كل ما يناقض تلك الطبيعة أو يحول دون أداء رسالتها كاملة في المجتمع، ولهذا خصّها ببعض الأحكام عن الرجل زيادة أو نقصانا، كما أسقط عنها - لذات الغرض - بعض الواجبات الدينية والاجتماعية كصلاة الجمعة، ووجوب الإحرام في الحج - في غير الوجه واليدين - والجهاد في غير أوقات النفير العام وغير ذلك، وليس في هذا ما يتنافى مع مبدأ مساواتها بالرجل في الإنسانية، والأهلية، والكرامة الاجتماعية، ولا تزال الشرائع والقوانين في كل عصر، وفي كل أمة تخص بعض الناس ببعض الأحكام لمصلحة يقتضيها ذلك التخصيص، دون أن يفهم منه أي مساس بمبدأ المساواة بين المواطنين في الأهلية والكرامة) [1] .
ثالثا: رأينا في هذه المسألة.
يتضح لنا من خلال ما استعرضناه من وجهات نظر حول مسألة مساواة المرأة بالرجل بأن من أوردنا آرائهم يجمعون على أن مساواة المرأة بالرجل إذا كانت بمعنى المماثلة بينهما في الدور، بحيث يمارس كل منهما دورا لا يختلف عن الآخر أمر مرفوض ومتناقض مع الفطرة الإلهية التي فطر الله الناس عليها.
وهم من خلال ما سبق يصلون إلى نتيجة قد أصّلتها النصوص التشريعية تقتضي عدم الانتقاص من حق المرأة ودورها في المجتمع، وأنها في ذلك لا تقل شأنا عن الرجل لا من قريب ولا من بعيد، والقول المنصف والموضوعي يقتضي أن ندرك بأن العلاقة بين الدورين هي علاقة تكاملية لا يمكن أن يقوم أحدها دون الآخر، كما لا يمكن أن تقوم الحياة دون تكاملهما وتفاعلهما.
ومما لا شك فيه أن الاتفاق متأت في مسألة المساواة في المكانة بين دور المرأة ودور الرجل، ولكن هذه المساواة لا يمكن أن تتداخل وإلا اختلت تأدية الأدوار في المجتمع، وذلك على نحو يسبب خللا حتميا في تركيبته.
ولعلنا نوضّح الصورة المتوقعة لواقع المجتمع بشكل أكبر، وذلك عندما يشكّل التداخل ظاهرة وليس وضعا شاذا، فهو أشبه بآلة تحتوي على عدّة قطع، وكل قطعة منها تؤدي دورا وفق تركيبة معينة لا يمكن أن تؤديها القطعة الأخرى، ولا شك أن إقحام أي من هذه القطع في مهمة لا تناسب طبيعتها التي صنعت من أجلها، وإقحام القطعة المنزوعة في عمل الأولى يعيق من دون شك عمل الآلة ككل، وإذا استمرت في العمل لوقت يسير فإنه لا محالة ستتعطل ويختل توازنها، ولن تعمل بعد ذلك بشكل طبيعي حتى تعود كل قطعة قد تم تغيير مكانها إلى مكانها الطبيعي.
إن الكل ميسّر لما خلق له، ومما لا شك فيه أن تداخل الوظائف بين مختلف الأشياء يؤدي إلى خلخلة في توازن الطبيعة
(1) غاوجي- وهبي سليمان، المرأة المسلمة (وليس الذكر كالأنثى) ، الطبعة السادسة، 1405 - 1984، مؤسسة الرسالة، لبنان - بيروت، دار القلم، دمشق وبيروت، ص 79.