الصفحة 92 من 103

أبو قدامة ..

فقال: الحمد لله الذي أحياني إلى أن أوصي إليك، فاسمع وصيتي ...

قال أبو قدامة: فبكيت والله على محاسنه وجماله، ورحمةً بأمه، وأخذت طرف ثوبي أمسح الدم عن وجهه

فقال: تمسح الدم عن وجهي بثوبك!! بل امسح الدم بثوبي لا بثوبك، فثوبي أحق بالوسخ من ثوبك ..

قال أبو قدامة: فبكيت والله ولم أجد جوابًا ..

فقال: يا عم، أقسمت عليك إذا أنا مت أن ترجع إلى الرقة، ثم تبشر أمي بأن الله قد تقبل هديتها إليه، وأن ولدها قد قتل في سبيل الله مقبلًا غير مدبر، وأن الله إن كتبني في الشهداء فإني سأوصل سلامها إلى أبي وأخوالي في الجنة، ثم قال: يا عم إني أخاف ألا تصدق أمي كلامك فخذ معك بعض ثيابي التي فيها الدم، فإن أمي إذا رأتها صدقت أني مقتول، وأن الموعد الجنة إن شاء الله ..

يا عم: إنك إذا أتيت إلى بيتنا ستجد أختًا لي صغيرة عمرها تسع سنوات .. ما دخلت المنزل إلا استبشرت وفرحت، ولا خرجت إلا بكت وحزنت، وقد فجعت بمقتل أبي عام أول وفجعت بمقتلي اليوم، وإنها قالت لي عندما رأت علي ثياب السفر: يا أخي لا تبطئ علينا وعجل الرجوع إلينا، فإذا رأيتها فطيب صدرها بكلمات .. ثم تحامل الغلام على نفسه وقال: يا عمّ صدقت الرؤيا ورب الكعبة، والله إني لأرى المرضية الآن عند رأسي وأشم ريحها .. ثم انتفض وشهق شهقتين، ثم مات ..

قال أبو قدامة: فلما دفناه لم يكن عندي هم أعظم من أن أرجعَ إلى الرقة وأبلغَ رسالته لأمه .. [1] .

قدمت هذه المرأة الصالحة كل ذلك في سبيل أن تدخل الدار التي اشتد شوقها إليها، وقدم ولدُها نفسَه رخيصةً لله، وتناسى لذاتِه وشبابه، فليت شعري ماذا قدم للجنة

(1) - انظر تهذيب مشارع الاشواق الى مصارع العشاق ص (110 - 112) وانظر الاصل ص (1/ 285 - 290) وذكرها ابن الجوزي في سوق العروس وانس النفوس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت