تخيل أخي الحبيب معي أن الله عفا عنك في تلك الزحمة مبادرًا مع المبادرين مسرورًا مع المسرورين بأبدان قد طهرت ووجوه قد أشرقت وأنارت فهي كالبدر قد سطع من اعراضهم كشعاع الشمس فلما جاوزت بابها وضعت قدميك على تربتها وهي مسك أذفر والزعفران والمسك مصبوب على أرض من فضة، والزعفران نابت حولها، فهذه أول خطوة خطوتها على أرض البقاء، بالأمن من العذاب والموت فأنت تتخطى في تراب المسك ورياض الزعفران وعيناك ترمقان حسن بهجة أشجارها وزينة تصويرها.
فبينما أنت تتخطى في عرصات الجنة في رياض الزعفران وكثبان المسك إذ نودي في أزواجك وولدانك وخدامك وغلمانك أن فلانا قد أقبل.
فيا لها من سعادة تملأ قلبك وراحة تباشر بدنك وبدأت تتمتع بما لم يتخيله عقلك في يوم من الأيام ولهذا في يوم من الأيام سأل سيدنا أبو هريرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال له: (( يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا إِذَا رَأَيْنَاكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الْآخِرَةِ وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا وَشَمَمْنَا النِّسَاءَ وَالْأَوْلَادَ قَالَ لَوْ تَكُونُونَ أَوْ قَالَ لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمْ الْمَلَائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يَغْفِرَ لَهُمْ قَالَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَدِّثْنَا عَنْ الْجَنَّةِ مَا بِنَاؤُهَا قَالَ لَبِنَةُ ذَهَبٍ وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ وَمِلَاطُهَا الْمِسْكُ الْأَذْفَرُ وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَانُ مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلَا يَبْأَسُ وَيَخْلُدُ وَلَا يَمُوتُ لَا تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلَا يَفْنَى شَبَابُهُ ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ الْإِمَامُ الْعَادِلُ وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ وَتُفْتَحُ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَيَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ ) ) [1] .
هذا ترابها فما بالك ببنائها لقد صدق من قال:
وحي على واد هنالك أفيَحُ ... وتربته من أذفر المسك أعظم
منابر من نور هناك وفضة ... ومن خالص العقيان لا تتقصم
وكثبان مسك قد جُعلن مقاعدا ... لمن دون أصحاب المنابر يعلم
ثم ستدخل بعد كل هذا وبعد دخولك ستعرف مستقرك مباشرة دون أن يعرفها لك أحد: وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ
(1) - صحيح: رواه ابن حبان والترمذي وصححه الارنوؤط.