الصفحة 80 من 103

وكيف أقوى على فراق أقوام باعوا أنفسهم لله! فالتقت أرواحنا وهي تحوم حول نبع واحد في ذلك السرب الصاعد أبدا إلى الله.

تآخينا فلا كَلِمٌ خبيثٌ = ... نرددُهُ ولا نجوى حرامُ

لنا ذكرٌ ألفناهُ جميلٌ ... = كما ألِفتْ أغانيها الحمامُ

أقوام أدركوا معنى قول ربهم ومولاهم:

{إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} (التوبة:111) .

فما لغير هؤلاء تهيأت الجنان .. ولا لسواهم تزينت الحور .. ولا طافت الولدان والغلمان كاللؤلؤ المنثور ... وما غيرهم عرف صداقها .. ولا سواهم حاز مَهرها.

والله أحبتي لا أود فراقكم في هذه الصفحات والتي عشناها فيه معًا لا والله لكن اسمحوا لي أن أقيم معكم دقائق تكون بيننا كلحظات المحبين ساعة الوداع ...

وإذ لا أود فراقكم أيها الأحبة! اسمحوا لي بأن أقيم معكم دقائق .. تكون بيننا كلحظات المحبين ساعة الوداع .. هل هنا أصعب من لحظات الوداع بين المحبين؟!

ولما وقفنا للوداعِ عشيةً ‍ ... بكيتُ على الوادي فحرَّمتُ ماءَهُ

ولم يبق إلا نظرةٌ وأُسلِّمُ ‍ ... فكيف يحِلُّ الما وأكثرُهُ دمُ؟!

أحدثكم فيها عن رجلين الأول هو الموسيقي العاشق الذي هداه الله للطريق [1] .

هذا الموسيقي وقع في حب عذري ... كانت نهايته أنه اعتزل الدنيا؛ وعزفت نفسه عن ملذاتها ونسائها وهجر أحب الأشياء إليه وآثرها لديه ... واستمر كذلك حتى ذوت زهرة شبابه!. وامتدت به الحياة فتجاوز الثمانين وهو لا يزال يعيش وفيًا لذكرى فتاته التي أحبها من أعماقه حباّ زهَّد في عينيه كل جميل ... ونغَّص عليه كل لذيذ.

وما إن انتهيت من قراءة سطور القصة حتى استبد بي الشوق ... وعاودني الحنين ... فرحت أذرف دموعي تلك الحارة المدرارة وأنا أقول: كيف إذن لو رأى هذا المسكين واحدة من ... الحور العين! تطل بوجهها ضاحكة الى السماء الدنيا! وهي لو أطلَّت

(1) - مقتبسة من كتاب ساعة في رحاب الحور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت