الصفحة 81 من 103

بمعصمها لاختفى ضوء الشمس والقمر؛ ولملأت ما بينهما أريجًا .. وإن نصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها!!

بل كيف لو رأينا نحن أو شهدنا منظرًا واحدًا من مناظر ذلك الجمال الأخاذ الرائع البديع!!

هذا العاشق الهيمان: رجل تركي من (القسطنطينية) أيام السلطان عبد الحميد - رحمه الله - انتهت له رياسة (العود) فيها. وله اسطوانات عند الموسيقيين هي كرسائل الجاحظ عند جماعة الأدباء. ويبدو أن لهذا الرجل نصيبًا وافرًا من اسمه! فإن اسمه (شوقي بك) .

يقول الطنطاوي عن صديقه حسني الذي حدثه عن هذا الرجل وعبقريته في فن الموسيقى:

وقام الى (الحاكي) فأداره. ووضع اسطوانة عتيقة؛ فسمعت شيئًا ما حسبت مثله يكون! وبدا لي كل ما سمعت الى اليوم من ضرب الموسيقيين كأنه إلى جانبه لعب أطفال؛ وخربشة مبتدئين.

قلت ويحك قم بنا إليه الآن فقمنا وذهبنا إليه.

ويصف محدثنا شعوره حين ذهب الى ذلك الرجل، ودخل بيته فاستمع الى ألحانه من أنامله مباشرة دون حاجز من زمان أو مكان! فيقول:

[أخذ قيثاره (كمانه) وقسم (تقاسيم) هزت حبة قلبي؛ فأحسست بلذة ما عرفتها من قبل. ومع اللذة شيء من السحر يجعلك تطلع الى المجهول؛ وتسمو إلى عالم الروح. ويوقظ فيك ذكرياتك وآلامك كلها دفعة] .

هل تدرون أيها الأحبة! إن لساكني الجنان لمجالس طرب وسماع بين تلك الخمائل التي تتدفق من تحتها الأنهار وتموج ما بينها الورود والأزهار .. تغني فيها الحور ألحانًا لم يأت في الأثر ماذا تفعل في القلوب؛ وإنما الذي ورد إلينا فيه: أن الشجر الذي لا قلب له ولا روح إذا سمعها اهتز لها طربًا؛ وأخذ يتمايل نشوان يضرب أغصانه بعضها ببعض! فتصدر منها ألحان لا يدرى أيهما أجمل: ألحان الحور؟ أم ألحان الشجر وهي تهتز وتصطفق من النشوة والسرور؟!

فإذا كانت هذه حال ما لا قلب له ولا روح ... ولا يعقل ... ولا يدرك .. ولا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت