العطش، فتعاطوا اليوم الكأس فيما بينكم، وعودوا في نعيمكم، فكلوا واشربوا هنيئًا مريئًا بما أسلفتم في الأيام الخالية، فلا يقدر الخلائق أن يصفوا سرور قلوبهم حين سمعوا كلام مولاهم يذكر أعمالهم شكرًا منه لهم، وغبطة منه لهم، لما ناداهم إلى معاطاة الكأس للمنادمة بينهم بعد معرفتهم في الدنيا منادمة أهل الدنيا على خمورهم فلو رأيت وجوههم وقد أشرقت بسرور كلام مولاهم واغتباطه لما ذكرهم أعمالهم الصالحة من صيامهم، وتركهم منادمة أهل الدنيا لمرضاته، وما عوضهم من المنادمة في جواره، وما أيقنوا به من سرورهم بمنادمتهم على الخمر والعسل والألبان، فأعظم به من مجلس، وأعظم به من جمع، وأعظم بهم من منادمين في جوار الرحمن الرحيم.
فكن إلى ربك مشتاقًا وإليه متحببًا، ولا تكن بينك وبينه قاطعًا وعنه معرضًا، وابتهل في الطلب إلى الله بفضله وإحسانه أن لا يقطع بك عنهم.
هذا هو الحب الحب لله تعالى وللجنان، بل هو أرقى الحب وأجمل الرؤى نعم أحبتي تمر بنا الأيام والأعوام، وهكذا نتعلم فنًا آخر من فنون الحب .. هو أغلى وأرقى .. فصرنا نعرف كيف نتخلص من جاذبية الأدنى .. ونصعد بأرواحنا وقلوبنا إلى فلك العلي الأعلى .. وهناك نتركها تدور .. وتدور لترى من آياته الكبرى .. {ما كذب الفؤاد ما رأى * افتمارونه على ما يرى * ولقد رآه نزلة اخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى * اذ يغشى السدرة ما يغشى * ما زاغ البصر وما طغى * لقد رأى من آيات ربه الكبرى} !
هل تدرون - أيها الأحبة! - ما خبرُ جنة المأوى .. التي هي عند سدرة المنتهى؟
هل السدرة عند الجنة؟ أم الجنة عند السدرة .. إذ يغشى السدرة ما يغشى؟
ومع هذه المناظر الباهرة .. والآيات القاهرة ما زاغ بصر الحبيب المصطفى .. وما طغى .. ولسان حاله يقول: (وعجلت إليك ربِّ لترضى) !!
إنه على موعد مع الحبيب .. الذي ما بعده ولا قبله حبيب .. فهو عجل يعد الخطى يستبطئها متى يلقاه .. ويحظى برؤياه؟ ويسمع كلامه .. وينزل عنده .. حيث لا حاجز ولا حجاب! سبحانه!! حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سُبُحاتُ وجهه ما انتهى إليه بصره.
ألا ما أعظم الآيات! وما أروع المناظر!