الصفحة 72 من 103

يعادله، ولا شريك يشاركه، ولا شيء يريده فيستصعب عليه أو يعجزه إنشاؤه، استسلم لعظمته الجبارون، وذل لقضائه الأولون والآخرون، نفذ في الأشياء علمه بما كان وبما لا يكون وبما لو كان كيف كان يكون، فأحاط بالأشياء علمًا، وسمع أصواتها سمعًا، وأدرك أشخاصها ونفَّذ فيها إرادته، وأمضى فيها مشيئته، لم يتقدم منها شيء قبل وقته الذي أراد فيه كونُه، ولَمْ يتأخر فيه عن نهيه، وكيف يستصعب عليه من لم يكن شيئًا مذكورًا حتى كوَّنه سبحانه الواحد القهار.

فلما سَرَّ أولياء الله برؤيته وأكرمهم بقربه، ونعَّم قلوبهم بمناجاته واستماع كلامه، أذن لهم بالانصراف إلى ما أعد لهم من كرامته ونعيمهم ولذاتهم، فانصرفوا على خيل الدر والياقوت، على الأسرة فوقها الحجال، ترف وتطير في رياض الجنان.

فما ظنك بوجوه نظرت إلى الله عز وجل وسمعت كلامه كيف تضاعف حسنها وجمالها؟ وزاد ذلك في أشراقها ونورها، فلم تزل في مسيرها حتى أشرفت على قصورها.

فلما بدت لخدامها وقهارمتها وولدانها بادر كل واحد منهم خدامه وقهارمته وولدانه مستقبليه من أبواب قصوره حتى أحدقوا به يزفونه إلى قصوره وخيامه، فلما دنا من باب قصره وخيامه قامت الحجاب رافعي ستور أبواب قصره معظمين مجلين له، وبادرت إليه أزواجه، فلما نظرت زوجته إلى جمال وجهه قد ضوعف في حسنه وإشراقه ونوره، ازدادت له حبًا وعشقًا، وأشرقت قصوره وقبابه وخيامه وأزواجه من نور وجهه وجماله، وازدادت أزواجه حسنًا وجمالًا ووجاهة وحشمة، ثم نزلوا عن خيولهم إلى صحون قصورهم، ثم اطمأنوا على فرشهم وعادوا إلى نعيمهم.

واشتاقوا إلى منادمة إخوانهم، فركبوا النجائب والخيل عليها يتزاورون، حتى التقوا على أنهار الجنة ففرشت لهم نمارق الجنان وزرابيها على كثبان المسك والكافور، وتقابل الإخوان على السرور والشراب، فقامت الولدان بالكؤوس والأباريق والأكواب يغترفون من أنهار الجنة، أنهارهم الخمر والسلسبيل والتسنيم.

فلما أخذت الولدان الكأسات واغترفوا ليسقوا أولياء الرحمن، لم يشعروا إلا بنداء الله عز وجل: يا أوليائي طالما رأيتكم في الدنيا وقد ذبلت شفاهكم، ويبست حلوقكم من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت