وفي الصباح ساقونا إلى ساحة عامة تجمهر فيها الناس ليشهدوا نهايتنا وقرأ المنشور وتليت اسماؤنا واحدًا واحدًا، وهنا وقعت المفاجأة التي لا تخطر على بال .. ولا تمر في الخيال!
رأينا، نحن العشرة، أن السماء قد انفتحت! ونزل منها عشر حوريات أضاءت لنور وجوههن جنبات الكون .. وامتلأت بعطرهن الفواح أرجاء الفضاء!!
أين قول القائل:
كانَ يومًا باسمًا في مُقلَتَيّا = يوم أشْرَقْتَ منَ الغيبِ عَليّا
أنِسَتْ روحي إلى طلعتهِ = واجتَنَتْ زَهْرَ الرُبى غَضَّا نَدِيّا
ما هذا المشهد إلا كوردة ملقاة بإزاء روض مسحور يمتد إلى ما وراء الأفق!!
كان أمرا فوق الوصف جعلنا نذهل عن كل شئ .. لقد انعدم عندنا الإحساس بالحدث الذي نحن فيه .. ولم نعد نفكر، ولا نحس، ولا ندري بما يدور من حولنا سوى هؤلاء الحوريات العشر اللواتي حططن على الأرض على مد البصر منا ..
ماذا أقول؟!"كأنهن عشر حمامات بيض"؟! لقد أزريت، والله، بهن أيما إزراء! .. وخجلت من هذا الوصف أيما خجل!.
وإن قلت:"إن جمالهن يسبي العقول، ويذهب بالألباب .."أهنت الجمال .. ولم أكن ممن يعرفون أدب الوقوف في حرمه الجليل، ماذا أقول؟ لا أقول شيئا!
إن كل العبارات قاصرة .. فقولوا أنتم ما تقولون،، وتصوروا ما تشاؤون على أن تكونوا على يقين من أن الأمر فوق ما يقال .. وأغرب من الخيال!
وتدلى أول جثمان ..
لكننا رأيناه رأي العين في حضن واحدة من تلك الحوريات، أخذته وطارت به إلى السماء وهو في غاية السعادة .. وقمة السرور!!
وصرنا نتسابق إلى الموت .. عفوا إلى ... الحياة الأبدية السعيدة.
وهنا .. هنا فقط .. أدركت، بكل ما عندي من قوة إحساس أو شعور، معنى قوله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (آل عمران: 179) .