إنني أستبعد تقديم الحبكة؛ لأن الأديب الذي يتهيأ لكتابة القصة؛ للكبار أو للصغار سيدور في ذهنه موضوعان رئيسيان لا ثالث لهما هما:
الموضوع والشخوص، أيهما يقدم على الآخر.
أما الحبكة فإنها ستكون تالية لهذين العنصرين، وتكون في القصة في مسارها ... بأسلوبها المشوق.
فأيهما نقدم؛ الموضوع على الشخوص؟ أم الشخوص على الموضوع؟.
نعود بذاكرتنا إلى القصة العالمية، نجدها في الملاحم القديمة: جلجامش، المهابهارتا، الإلياذة والأوديسة لهوميروس، وهما أشهر الملاحم، نتعرف إلى العنصر الأول الأهم في كلتا الملحمتين فماذا نجد؟ يقول هوميروس في مطلع الإلياذة: (غن ربة الشعر، غن غضبة آخيل الوبيلة، تلك الغضبة التي جرَّت على اليونان آلامًا لا حصر لها) .
وفي مطلع الأوديسة يقول: (الرجل الذي احتال على طروادة وحطمها، ما صفاته) [1] ؟.
الإلياذة تروي ذهاب جيش أثينا إلى طروادة ومحاصرته لها عشر سنين، بدأت بالموضوع.
أما الأوديسة؛ فإنها تروي عودة أوليس المحتال صاحب فكرة الحصان الخشبي، بدأت بالشخوص.
وفي الأدب المعاصر؛ الأجنبي والعربي يتناوب هذان العنصران الأولية في كتابة القصة.
تقول آجاثا كريستي في مطلع قصتها: بصمات الأصابع: (لا زلت أذكر تلك الليلة الرهيبة التي اكتُشف فيها جثتا القتيلين، وهي ليلة شديدة القيظ من شهر يونيه لعدة أعوام خلت، فقد اقترن ذلك الحدث المروع بمأساة أخرى لا تقل هولًا، إذ بينما كانت ترتكب في
نيو يورك هذه الجريمة المزدوجة الفظيعة، كانت الباخرة (أوكسجين) تغرق تجاه ساحل فلوريدا) [2] .
هنا قدمت الموضوع.
أما نجيب محفوظ، وهو الحائز على جائزة نوبل في القصة؛ فإنه يقول في قصته: قلب الليل (قلت وأنا أتفحصه باهتمام ومودة: إنني أتذكرك جيدًا، انحنى قليلًا فوق مكتبي وأحدَّ بصره الغائم، وضح لي من القرب ضعف بصره، نظرته المتسولة، محاولته المرهقة لالتقاط المنظور، وقال بصوت خشن عالي النبرة، يتجاهل قصر المسافة بين وجهينا، وصغر حجم الغرفة الغارقة في الهدوء .. ) [3] .) فهنا قدم الشخوص على الموضوع.
(1) في الأدب المقارن د. بدر الدين الرفاعي طبع جامعة دمشق 1976 م.
(2) قصة: بصمات الأصابع أجاثا كريستي ص:5 ط المكتبة الثقافية - بيروت.
(3) قصة قلب الليل. نجيب محفوظ ص 3 نشر دار مصر للطباعة.