البناء في كل كائن حي نباتًا كان أم حيوانًا .. إلخ، كما أثبت علم الكيمياء الحيوية أن الماء لازم لحدوث جميع التفاعلات والتحولات التي تتم داخل أجسام الأحياء: فهو إما وسط أو عامل مساعد، أو داخل في التفاعل، أو ناتج عنه [1] .
8.وإلى جانب كون الماء مادة الحياة، فهو موطن الغالبية العظمى من الكائنات الحية التي تعمر المحيط الحيوي، ويكون حوالي 60 - 70% من أجسام الأحياء الراقية بما فيها الإنسان، وترتفع هذه النسبة إلى حوالي 90% من أجسام الأحياء الدنيا. ولذلك كله كانت الحياة فوق هذا الكوكب مرتبطة بوجود الماء فيها على حالته الطبيعية النقية التي خلقه الله عليها، فإذا أصابه ما يغير أحد خواصه، كان ذلك مؤشرًا على خطر كامن يتهدد الحياة [2] .
وهكذا .. وعلى الرغم من التقدم العلمي والتقني الذي تشهده البشرية، فإنها لم تستطع أن تتوصل إلى بديل صناعي آخر يمكن أن يحل محل الماء .. وصدق الله القائل: (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ) [الأنبياء: 30] .
جاء الإسلام للدين والدنيا معا, فكما شرع نظمًا للحكم وأخرى للعلاقات الاجتماعية والاقتصاد والأخلاق, وضع منهجًا فريدًا متكاملا لحفظ الصحة العامة للإنسان, فكان الدين الوحيد الذي جاء بدستور ينظم الطب والعلاج وصحة المجتمع. والطب الوقائي في الإسلام يقوم على الأسلوب الإيماني في إيجاد المجتمع الصحي, وهو أسلوب يرتكز على ربط التعاليم الصحية بعقيدة المسلم, والاستفادة من تأثير الإيمان والتزام الناس بالإسلام في اتباع الأوامر الصحية [3] .
ولقد اهتم الإسلام أكثر من أي دين آخر وأي أمة من الأمم بإيجاد البيئة الصحية المثالية وجعلها جزءا من تعاليمه الرئيسة. إذ كان أول ما نزل من القرآن يدعو للعلم، وثاني ما نزل يدعو للنظافة, فقال في الأول: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) [العلق:1] ، وقال في الثانية: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ) [المدثر:4] ، فكان الإسلام دين علم ونظافة أو دين نظافة بعلم, وكانت بذلك أمة الإسلام منذ ولادتها أمة نظافة, حيث جاءت تعاليم الإسلام آمرة بالتحري التام في موضوع النظافة, قبل معرفة الجراثيم والميكروبات والكائنات الدقيقة [4] وما ينجم عنها من أمراض خطيرة وأوبئة, بأربعة عشر قرنا, إذ إن أغلب
(1) محمد عبد القادر الفقي: القرآن الكريم وتلوث البيئة مجلة الوعي الإسلامي، عدد 211 ص 44، د. كمال الدين البتانوني، (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) ، مجلة التربية عدد 94 ص 513.
(2) د. محمد زرمان، الفقه الإسلامي ودوره في حل مشكلة التلوث، بحث مقدم لمؤتمر: الاجتهاد في قضايا الصحة والبيئة والعمران الذي عقدته رابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع كلية الشريعة بجامعة اليرموك ومنظمة الإيسيسكو في الفترة من 3 ـ 5 يونيو 2003 م بالأردن.
(3) صالح نعمان: منهج البحث في علم العقيدة في ضوء التطور العلمي المعاصر، مرجع سابق ص 351 وما بعدها بتصرف.
(4) تعد الكائنات الدقيقة أمة من الكائنات الحية, التي لا تَرى أعيننا معظمَها, وتوجد في كل مكان, في الهواء والماء والتربة, وعلى أجسامنا وفي أفواهنا وأمعائنا, بل وأحيانا في الطعام الذي نأكله, وبعضها مفيد وبعضها الآخر ضار, وتتكون من عائلات وأجناس وأنواع متباينة وعديدة, وتتفاوت في الصغر. فأصغرها الفيروسات, ويليها الميكروبات ثم الفطريات ثم الطفيليات الأولية, فالديدان المتطفلة بأنواعها المختلفة وأخيرًا الحشرات المفصلية المتطفلة, وهي كائنات متخصصة لكل عضو ونسيج. وتعيش هذه الكائنات في مخازن تتنوع بين ثلاثة مصادر هي الإنسان والحيوان والبيئة (التربة والماء) , ويعد الإنسان مخزنًا رئيسًا لعدد كبير من الكائنات الدقيقة في أماكن مهمة في جسمه تعمل كمخازن دائمة لها, وأبرزها: الجلد والفم, والأنف والحلق والقناة الهضمية, والتي تحتوي عددا كبيرا من الميكروبات والفيروسات, والتي يمكن أن تبقى في جسم الإنسان لعدة أشهر أو سنوات .. بحيث تهاجمه وتلحق به الضرر, وهو يقاومها بكل الأسلحة التي سخرها له الله سبحانه وتعالى, ويغالبها بها. فالجلد يعد مخزنا لنسبة عالية من البكتيريا والفطريات, ويكثر معظمها على البشرة وجذور الشعر, ويتراوح عددها من عشرة آلاف إلى مائة ألف جرثومة على كل سنتمتر مربع من الجلد الطبيعي, وفي المناطق المكشوفة منه, يتراوح العدد من مليون إلى خمسة ملايين جرثومة: سم 2، كما ترتفع هذه النسبة في الأماكن الرطبة مثل: المنطقة الإربية, وتحت الإبط, إلى عشرة ملايين جرثومة/ سم، وهذه الجراثيم في تكاثر مستمر. أما الفم فتستقر فيه أعداد هائلة وأنواع كثيرة من هذه الكائنات الدقيقة, تزيد على ثلاثمائة مستعمرة, ويتراوح عدد الجراثيم في اللعاب إلى حوالي مائة مليون جرثومة في كل ميليمتر مربع, كما توجد بعض الفطريات والطفيليات الأولية في عدد من الأشخاص, وهي تتغذى على بقايا الطعام بين الإنسان, وينتج من نموها وتكاثرها أحماض وإفرازات كثيرة, تؤثر على الفم ورائحته وعلى لون الإنسان وأدائها. أما الأنف الذي يعد مكانا مهما وحيويا, إذ هو المدخل للجهاز التنفسي, هو أول ما تصل إليه الميكروبات التي تنتقل بالرذاذ مثل الانفلونزا وشلل الأطفال والدفتيريا وغيرها كثير, لتنتقل إلى الحلق ثم داخل الجسم وتصيبه بالمرض كما أكد ذلك الدكتور عبد الجواد الصاوي في بحثه:"من إعجاز القرآن الكريم والسنة المطهرة في الطب الوقائي والكائنات الدقيقة". كما يلصق على غشائه المخاطي الغبار وبعض بذور الفطريات والعفنيات الموجودة في الهواء, وتعلق في جوفه عدة مستعمرات جرثومية. والأيدي من أهم الأعضاء تعرضا لنقل الأمراض, إذ تنقل المرض عند مصافحة المريض أو عند نقل طعام ملوث أو لمس أشياء ملوثة أو بعد الذهاب إلى الغائط, وبعض الديدان تنتقل من نفس الشخص المصاب عند التبرز إلى فمه, إذا أكل ولم يغسل يديه جيدا, كما تنقل اليد غير النظيفة فيروسات وميكروبات تتسبب في أمراض التيفود, والدوسنتاريا, والنزلات المعوية, والتسمم الغذائي. ويقول أحمد القاضي في دراسته عن:"أوجه الارتباط بين القيم الإسلامية والإصابة بالسرطان"لقد أثبت العلم أن من بين العوامل المساعدة على حدوث السرطان, إهمال بعض النواحي في النظافة الشخصية, كتنظيف الفم وفتحة الشرج والأعضاء التناسلية وغيرها. نقلا عن: صالح نعمان: منهج البحث في علم العقيدة في ضوء التطور العلمي المعاصر، مرجع سابق ص 351 - 256 بتصرف.