كتابات الفقهاء أو في المحاكم الشرعية، لنرى الفقهاء وخبراء المياه يجمعون أحكام المياه في أبواب متكاملة، تعكس مدى ما وصلت إليه هذه الأحكام من تقدم، ومدى ما وصل إليه المسلمون من تقدم في حل مشكلات المياه ... كما تطورت قوانين المياه سريعًا في التشريع الإسلامي، حتى أصبحنا نردد مصطلحات فقهية خاصة بالمياه دون غيرها، مثل: حق جريان المياه، أو حق إجراء الماء، وحق الشرب [1] .. بل أصبحت كتب فقه العمارة لا تخلو من أبواب تتعلق بقضايا المياه، بل إن قضايا المياه في الحضارة الإسلامية تجاوزت هذا بكثير، بحيث أصبح لدينا الآن من واقع سجلات المحاكم الشرعية قضايا تتعلق بنزاعات أو أوقاف خاصة بالمياه [2] .
والإسلام بوصفه دينا للحياة بأبعادها المختلفة يحث على وقاية الإنسان من كل الأخطار البيئية التي تهدد حياته، ومن ثم فإنه من الجدير بالمسلمين من منطلق عقيدتهم أن يكونوا أصح الناس أبدانًا وأقلهم أمراضًا وأكثرهم حفاظًا على أنعم الله؛ لأن الدين الذي يؤمنون به يحض على نظافة الأبدان والثياب والأمكنة، ويجعل إماطة الأذى عن الطريق جزءا لا يتجزأ من العقيدة الدينية.
والحق أن الثراء العلمي الذي اشتمل عليه القرآن الكريم كفيل بإنقاذ الإنسان من شرور نفسه ليعيش حياه كريمة، ويعرف كيف يستثمر أنعم الله عليه، فلا يهدرها أو يلوثها أو يعتدي عليه بسلوكيات خاطئة وعادات مرذولة، وهذا يدل على أن الإسلام ليس مجرد دين عبادة وشعائر فحسب، فالعلم والأخلاق من دعائمه الرئيسة التي لا يمكن إغفالها أو الاستغناء عنها [3] .
وهكذا رأينا منهج الإسلام القويم في المحافظة على المياه ورعايتها والعناية بها، والتحذير من الإضرار بها، وكان تطبيق المسلمين وحكامهم لهذا المنهج أكبر دليل على استقرارهم ونهضتهم، مما يستدعي منا جميعا العودة إلى هذا المنهج الرباني، والتمكين له بشتى السبل والوسائل، وتطبيقه، والاستفادة من المستجدات العصرية التي تتواءم مع منهجه الشامل.
وبعد أن تعرفنا على بعض المشكلات والتحديات المتعلقة بالمياه في بلادنا، وتعرفنا أيضا على منهج الإسلام لمواجهة هذه المشكلات، فقد أصبح لزامًا على كل المؤسسات البحثية والجامعات وعلماء الدين ووسائل الإعلام أن تدق أجراس الخطر بقوة؛ لأن القضية تتعلق بالمياه التي تمثل حياتنا وحياة زرعنا وضرعنا؛ وذلك من أجل اتخاذ التدابير اللازمة للمحافظة على المياه الصالحة وتنميتها، وترشيد استخدامها، والكف الفعلي والفوري عن تلويثها، وإدارة المياه إدارة علمية رشيدة تتناسب مع أهميتها القصوى، وإلا تعرضنا للتصحر والمجاعات وغيرها- لا قدر الله .. !!
ومن هنا يجب أن نتحرك على عدة مسارات واتجاهات في نسق تكاملي، تتضافر فيه كل الجهود الحكومية والتشريعية والتنفيذية والرقابية ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام والأحزاب والمؤسسات التعليمية والأفراد الذين هم حجر الزاوية في علاج هذه القضية الشائكة، للمحافظة على الماء، وعدم تلويثه أو إهداره، وتنميته، وإدارته إدارة حكيمة تراعي الجوانب المستقبلية وتأمينه للأجيال القادمة .. ومن ثم -وكما سبق- يجب أن نركز على التكاملية في حل المشكلة، وإلا لضاعت الجهود، إذ إن ما ستقوم به مؤسسة للعلاج قد تقوضه مؤسسة أخرى، كما يجب ألا نقلل من أية أطروحة لعلاج
(1) ويعدّ هذا الحق مشروعًا لكل شخص (مسلمًا كان أو غير مسلم) ، سواء بإرواء عطشه أو سقي دابته إلخ.
(2) د. محمد زرمان (مرجع سابق) ص 32 - 33 بتصرف.
(3) د. محمود حمدي زقزوق: من تقديمه لكتاب الدعوة والإعلام وقضايا البيئة، وزارة الأوقاف المصرية - مركز الإعلام والاتصال، ص 5 بتصرف.