الصفحة 9 من 36

لعل من أهم المشكلات الاجتماعية العالمية وأكثرها ضراوة مشكلة التلوث البيئي التي يعانى منها المجتمع المعاصر بشرقه وغربه، والتي انتشرت آثارها السئية، في كل أنحاء المعمورة، والتي تصل بتأثيرها البالغ إلى درجة تتعلق بأمننا القومي بل والإنساني، والتي يجب أن توليها حكومات وأجهزة ومنظمات العالم، وشتى المؤسسات والأفراد اهتماما كبيرا وعناية خاصة؛ لأنها تتعلق بمستقبل الأجيال القادمة؛ ذلك أن المياه تواجهها تحديات جسام على كافة الأصعدة (الطبيعية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية .. وغيرها) ، الأمر الذي يجعل دراسة أبعاد هذه المشكلة دراسة علمية منهجية معمقة من الأهمية بمكان؛ للفت النظر إليها وتسليط الأضواء عليها، وشحذ همم الباحثين لدراستها بجدية، لوضع تصورات منطقية وأطر نظرية وتطبيقية لحلول قابلة للتنفيذ، لمواجهة هذه المشكلة التي تؤرق الناس على اختلاف مستوياتهم ومشاربهم، قبل أن تتفاقم الأمور وتصبح خارج نطاق السيطرة .. ذلك أن الماء هو أساس الحياة والأحياء على وجه الأرض ..

ففى ظل الارتفاع الكبير في المستوى المعيشي، وفي ظل سوء إدارة المياه، وأيضا الغياب النسبي لدور العلماء والمتخصصين في مجالات المياه وقلة الاستفادة من خبراتهم في علاج هذه المشكلة .. وفى ظل كثرة الصناعات التي تعتمد بشكل كبير على استهلاك واستنزاف كميات كبيرة جدا من المياه، وفي ظل سوء شبكات الري الزراعي، وسوء شبكات الصرف، وعدم التوسع في تقنيات الري بالتنقيط، وعدم التوسع في زراعة المحاصيل الزراعية التي تتحمل الجفاف وتعتمد على كميات أقل من المياه، وفي ظل سوء استغلال المياه الجوفية وغياب المنهجية العلمية في إدارتها، والاعتداء عليها بشكل قد يؤدي إلى نضوب الكثير من آبارها، وفي ظل الإسراف والتبذير الكبير في المياه الصالحة -التي تنفق عليها الدول المليارات من الدولارات- في غسيل السيارات، ورش الشوارع، وري البساتين وإزاحة الصرف الثقيل في الحمامات ... إلخ، وفي ظل الصراعات القائمة في بعض دول منابع الأنهار والتوجهات المتتالية لتقليل حصص الدول العربية والإسلامية المستفيدة من تلك المياه، وتنكر بعض الدول للاتفاقيات المنظِمة والمقرِّرة لحقوق بعض دولنا في تلك المياه، في ظل تحرك صهيوني ماكر في تلك الدول للتأثير على هذه الحصص -وهذه سياسة إسرائيلية قديمة، حيث أعلنت جولدا مائير قبل عقود من الزمن في خطاب لها بقولها:"إن التحالف مع تركيا وأثيوبيا يعني أن أكبر نهرين في المنطقة -أي النيل والفرات- سيكونان في قبضتنا" [1] ويبدو أن هذه السياسة الاستراتيجية تسعى إسرائيل لتحقيقها، ولا أدل على ذلك مما نشهده اليوم من تحالفات بين إسرائيل وإثيوبيا، وبين إسرائيل وتركيا .. وفي ظل عوامل الهدر والبخر والإسراف في تلك المياه المحدودة في الأساس .. وفى ظل عدم انتشار"الوعى المائي"لدى الناس .. وفى ظل عدم تركيز أجهزتنا المختلفة لاسيما أكثرها تأثيرا كوسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والتربوية على إبراز خطورة هذه القضية التى لم تحظ باهتمام لائق على كافة الأصعدة ..

ويحذر الدكتور/ كويتشيرو ماتسورا المدير العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة بباريس، من خطورة هذه القضية فيقول:".. يتوقع الخبراء أن يبلغ عدد المتضررين من نقص المياه ملياران من البشر بحلول عام 2025 م، وثلاثة مليارات بحلول عام 2050 م، فضلا عن آفة التصحر التي أصابت أكثر من ثلث مساحة الأرض خلال القرن العشرين، وقد تضرر منها حوالي مليار إنسان في (110) دولة، ويُتوقع أن تتضاعف هذه الأرقام بحلول عام 2050 م" [2] . كما يحذر

(1) الأمن المائي العربي، أعمال المؤتمر الدولي الثامن الذي نظمه مركز الدراسات العربي الأوروبي في الفترة من 21 - 23 فبراير 2000 بالقاهرة، من كلمة الدكتور صالح بكر الطيار، نشر دار بيسان - بيروت، الطبعة الأولى سنة 2000، ص 16.

(2) د. كويتشيرو ماتسورا، لنبرم معاهدة سلام مع الأرض، مجلة التواصل الصادرة عن جمعية الدعوة الإسلامية العالمية، في عددها رقم 13، سنة 2007 م، ص 7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت